أثر المتشابه اللفظي في التفسير من خلال بعض النماذج
1. نماذج من المتشابه اللفظي في المؤلفات المتخصصة.
قد تختلف الآيات المتشابهة في القرآن الكريم في لفظها من حيث الصياغة: سواء
تعلق الأمر بالاسمية والفعلية، أو بصيغ الأفعال. ويكون لهذا الاختلاف أثر في توجيه
التفسير.
· الاختلاف في الاسمية والفعلية:
مثال1: قوله تعالى: ﴿أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم
وأعلم من الله مالا تعلمون﴾1
وقوله عز وجل في نفس السورة: ﴿أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين﴾2.
الخطيب الإسكافي:
يقول إن التهمة الموجهة إلى نوح في الآية الأولى هي الضلال، أما التهمة التي وجهت
إلى شعيب فهي السفاهة. ولأن الضلال فعل متجدد يفعله الضال، فقد جاء الرد بفعل يدل
على التجدد، أما السفاهة فهي صفة ثابتة من صفات النفس ،ولذلك جاء الرد بصيغة الاسم
لتدل على الثبات والاستمرار.3
الكرماني:
لم ينظر إلى الآيتين باعتبار معانيهما، ولكن باعتبار تناسق بنائهما اللغوي: فالفعل
أنصح جيء به ليناسب الفعل أبلغكم، وفي الآية الثانية، وافق الاسم "ناصح"
الاسم الذي سبقه: "كاذب". يقول الكرماني: (أبلغكم) بلفظ المستقبل، فعطف
عليه (وأنصح لكم) كما في الآية الأخرى ﴿لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم﴾ فعطف
الماضي على الماضي، أما في قصة هود فقابل الاسم بالاسم)4
· الاختلاف في صيغة الماضي والمضارع:
يجمع النحاة على
أن لصيغ الفعل دلالات مختلفة في الجمل الفعلية، فالمضارع يدل على الزمن الحاضر أو
المستقبل، ويفيد تكرر الفعل وتجدده، أما الماضي فيفيد وقوع الحدث في الزمن الماضي
وانقضاؤه. وقد يكون اختلاف صيغ الفعل لغرض بلاغي.
مثال1:قال تعالى
:﴿كذلك نسلكه في قلوب المجرمين﴾5 ،فجاء الفعل بصيغة المضارع.
وفي الآية الأخرى:﴿كذلك سلكناه في قلوب المجرمين﴾6وفيها جاء الفعل بصيغة الماضي.
ابن الزبير الغرناطي:
يقول إن سياق الآية الأولى يتحدث عن أخبار
المكذبين من كفار قريش وعداوتهم للنبي صلى الله عليه وسلم، فجاء التعبير بالمضارع
ليشعر باستمرار عداوتهم. أما في الآية الثانية، فالسياق يتحدث عن ذكر أحوال
الأنبياء مع أقوامهم، ثم الحديث عن القرآن الكريم وأنه في زبر الأولين، أي أن
الكتب السابقة تصدقه، ولذلك جاء الفعل بصيغة الماضي7.
· الاختلاف في صيغ الفعل الماضي:
والمقصود به
تنوع صيغ الفعل الواحد والتي ترجع إلى مادة واحدة: مثل (" نزل "و"
أنزل")، ثم ("نجى" و"أنجى")، فهذا التنوع الاشتقاقي يكون
موجها للتفسير.
مثال 1: قال تعالى: ﴿نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة
والإنجيل﴾
ابن الزبير:
{لفظ نزل يقتضي التكرار لأجل التضعيف[..]ولفظ(نزل عليك الكتاب) في الآية يشير إلى
تفصيل المنزل وتنجيمه حسب الدعاوى، وأنه لم ينزل دفعة واحدة، وأما لفظ أنزل فلا
يعطي ذلك}.
الزمخشري:
(فإن قلت لم قيل نزل الكتاب، وأنزل التوراة والإنجيل؟ قلت: لأن القرآن نزل منجما، ونزل
الكتابان جملة).
الاختلاف في صيغ الاشتقاق:
· وهو أن يتم
التعبير في آية معينة بصيغة اسم الفاعل، وفي آية أخرى بصيغة مختلفة من صيغ
الاشتقاق.
مثال 1: قال تعالى:﴿يأتوك
بكل ساحر عليم﴾8،وقال أيضا:﴿يأتوك بكل سحار عليم﴾9.
الكرماني: {لأنه
راعى في سورة الأعراف ما قبله وهو قوله:﴿إن هذا لساحر عليم﴾،وراعى في الشعراء
الإمام -يقصد المصحف الإمام المعتمد رسمه في كتابة المصحف-فإن فيه ﴿بكل سحار﴾،وقرئ
في هذه السورة(سحار) طلبا للمبالغة وموافقة لما في الشعراء}.10
الاختلاف في الإفراد والجمع:
الكلمة في القرآن الكريم تأتي مفردة لغرض بلاغي يستدعيه السياق القرآني، أو لمناسبة ما جاورها من الألفاظ، وكذلك الحال في جمعها. هذا الجمع والإفراد قد يكون في الأسماء أو الضمائر. كما أنه قد يأتي جمع تكسير في آية ،وجمع سالم لنفس اللفظة في آية أخرى.· الأسماء
الظاهرة: آية / آيات معدودة/معدودات دار/ديار
· الضمائر: يستمع/يستمعون بأنه/بأنهم
فأردت/فأردنا
· اختلاف الجموع:
خطاياكم/خطيئتكم النبيين/الأنبياء لكم فيها فاكهة كثيرة/فواكه كثيرة
مثال1:قال تعالى:﴿فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي﴾11
وقال سبحانه:﴿فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي﴾12
الخطيب الإسكافي:
جمع لفظ رسالة في قصة شعيب لأنه عليه السلام أمر قومه بأشياء كثيرة منها التوحيد
وإيفاء الكيل وإقامة الوزن بالقسط، وهذه أشياء لم يؤمر بمثلها صالح في الكثرة، ولهذا
جمع لفظ رسالة مع شعيب وأفرد مع صالح13 .ونفس التفسير يقدمه الكرماني14وابن جماعة15.
مثال2:قال تعالى:﴿ذلك بأنهم كانت تاتيهم رسلهم بالبينات﴾16
وقال أيضا:﴿ذلك بأنه كانت تاتيهم رسلهم بالبينات﴾17
الكرماني: يقول إن آية غافر خصت بالجمع :{لأن هاء الكناية زيدت لامتناع (أن)عن
الدخول على (كان)،وخصت سورة التغابن بضمير الشأن توصلا إلى كان}18.
الاختلاف في التذكير والتأنيث:
وقال أيضا: ﴿إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين﴾20
ابن الزبير: قول إن مصرف الوصف في آية النساء للإماء المتزوجات عند عدم الطول، أما في المائدة فمصرف الوصف للمتزوجين من الرجال.21
ابن جماعة: وافق ابن الزبير، وأضاف أن آية النساء في نكاح الإماء، وكان كثير منهن مسافحات، فناسب جمع المؤنث بالإحصان. وآية المائدة فيمن يحل للرجال من النساء فناسب وصف الرجال بالإحصان.
2. نماذج من المتشابه اللفظي في التفاسير العامة.
كيف تناول المفسرون هذه الآيات المتشابهات في التفاسير العامة انطلاقا من السياق؟ ونمثل لذلك بقوله تعالى: "وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ " وقوله تعالى: " فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ." يذكر أبو حيان سبب مجيء "الذي" في الآية الأولى و"التي" في الآية الثانية، فيقول في آية سبأ أي أثناء تفسيره لهذه الآية " وقيل هنا: "التي كنتم بها تكذبون"، وفي السجدة " الذي كنتم به تكذبون" كل منهما أي من العذاب ومن النار: لأنهم هنا لم يكونوا ملتبسين بالعذاب، بل ذلك أول ما رأوا النار إذ جاء عقيب الحشر، فوصفت لهم النار بأنها هي التي كنتم تكذبون بها. وأما الذي في السجدة فهم ملابسون للعذاب مترددون فيه لقوله: " كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا" فوصف لهم العذاب الذي هم مباشروه، وهو العذاب المؤبد الذي أنكروه. وهذا التوجيه من أبي حيان للآيتين يوافق توجيه الرازي في تفسيره حينما فسر آية سبأ يقول: " قال ههنا " عذاب النار التي كنتم بها تكذبون" وقال في السجدة " عذاب النار الذي كنتم به تكذبون" جعل المكَذَّبَ ههنا النار (آي في سبأ) وهم كانوا يكذبون بالكل، والفائدة فيها أن هناك لم يكن أول ما رأوا النار بل كانوا هم فيها من زمان بدليل قوله تعالى: " كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ " أي العذاب المؤبد الذي أنكرتموه بقولكم: " وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً" أي قلتم إن العذاب إن وقع فلا يدوم فذوقوا (العذاب) الدائم، وههنا (في سبأ) أول ما رأوا النار لأنه مذكور عقيب الحشر والسؤال، فقيل لهم " هذه النار التي كنتم بها تكذبون. وقد أخذ ابن عاشور بهذا الرأي في تفسيره. ونلاحظ من خلال هذا أن علماء التفسير قد اعتنوا عناية بالغة بالسياق أثناء تفسيرهم لبعض الآيات المتشابهات.
1. الأعراف،الآية62
2. -الأعراف،الآية68
3.
-انظر
درة التنزيل وغرة التأويل،ص84
4. -البرهان في متشابه القرآن،ص179
5. 5 البرهان في متشابه القرآن،ص179
6. الحجر،الآية12
7. -الشعراء الآية 200
8. -ملاك التأويل،ج2،ص723،725
9. -الكشاف،ج1ص411
1 10 -الكهف،الآية98
11.
-الأعراف،ص112
12.
-الشعراء،الآية37
13.
-البرهان،ص197
14.
-الأعراف،الآية79
15.
-الأعراف،الآية
93
16.
-انظر
درة التنزيل،ص88
17.
-البرهان،ص190
1 18 كشف
المعاني،ص180
19.
-غافر،الآية22
20.
-التغابن،الآية6
21.
-البرهان،ص324
22.
-النساء،الآية
25
23.
-المائدة،الآية
5
2 24 ملاك التأويل،ج1،ص341

تعليقات
إرسال تعليق
أترك(ي) تعليقاتك لتحفيزنا وتشجيعنا لمواصلة العطاء