منهج ابن أبي حاتم الرازي في تفسيره:
1- التعريف بالكتاب:
أ- توثيق الكتاب
تفسير القرآن العظيم مسندا عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم والصحابة والتابعين، لابن أبي حاتم
الرازي عبد الرحمن بن محمد بن إدريس(ت327هـ تحقيق أسعد محمد الطيب، مكتبة نزار
مصطفى الباز-مكة المكرمة الرياض، ط1، 1417هـ/1997م، يتكون من عشرة 10 أجزاء.
ب- حول الكتاب:
إن الجزء الأصيل من الكتاب (أي
الذي أخذ عن المخطوطات) هو من سورة الفاتحة إلى سورة الرعد، ومن سورة (المؤمنون)
إلى سورة العنكبوت، والباقي جمعه المحقق من تفسير القرآن العظيم لابن كثير والدر
المنثور للسيوطي وفتح الباري ثم تغليق التعليق لابن حجر العسقلاني وفتح القدير
للشوكاني، وغيرها، واعتمد أسعد
محمد الطيب محقق هذا التفسير على نسخة وحيدة، مما جعل التحقيق صعبا؛ لأن كثرة النسخ
تيسر العمل على المحقق، وذلك أنه يجد كلمة لم تتضح في نسخة فيرجع إليها في نسخة
أخرى، ولكن المحقق عندما يتعسر عليه الأمر في فهم بعض الكلمات أو مصادفة الروايات
المفقودة يرجع إلى الكتب السابقة التي نقلت عن ابن أبي حاتم الرازي.
ت- وصف الكتاب
إن مجلدات التفسير العشر هي مجلدات متوسطة الحجم، وتقع جميعها في ثمانين
وأربعمائة وثلاثة آلاف صفحة(3480).
افْتُتِح الكتاب بمقدمة للناشر، ثم مقدمة المحقق التي
ذكر فيها ترجمة غير مخلة للمؤلف، وبين فيها عمله ومنهجه في التحقيق، وأورد فيها
بعض صور المخطوط التي اعتمد عليها في التحقيق. ثم تأتي مقدمة المؤلف التي اتسمت
بالاختصار الشديد، وتناول فيها ابن أبي حاتم الشروط الثلاثة المعمول بها حاليا في البحوث العلمية الأكاديمية؛ أي نجد
فيها السبب الداعي إلى التأليف، والكيفية أي منهج المؤلف في التفسير، ثم القيمة
الإضافية لتفسير القرآن العظيم لابن أبي حاتم الرازي، وهي المتضمنة في العبارات
الآتية "سألني جماعة من إخواني إخراج
تفسير القران مختصرا بأصح الأسانيد، وحذف الطرق والشواهد والحروف والروايات،
وتنزيل السور، وأن نقصد لإخراج التفسير مجردا دون غيره، مقتصين تفسير الآي حتى لا
نترك حرفا من القران يوجد له تفسير إلا أخرج ذلك"1. ويليها السور القرآنية مفسرة آية آية أو كلمة كلمة أو
حرفا حرفا، من سورة الفاتحة إلى آخر سورة الفلق. وبعد هذا نجد ثبتا للمراجع
المعتمدة في التحقيق، وأخيرا فهرس الموضوعات المرتب ترتيبا تنازليا حسب السور
القرآنية
2- منهج ابن أبي حاتم في تفسيره:
يتبدى ويتضح لنا
منهج المؤلف في مقدمة التفسير، فبعد أن ذكر السبب الداعي إلى تأليف هذا التفسير-
طلب جماعة من إخوانه إخراج تفسير القرآن مختصرا بأصح الأسانيد- شرع في توضيح منهجه
المعتمد في التفسير وهو كالآتي:
v
تحرى إخراج التفسير بأصح الأسانيد. وهذا
ليس ببعيد إذا علمنا أن الرجل له دراية واسعة بعلم الجرح والتعديل الذي يبحث عن
جرح الرواة وتعديلهم بألفاظ مخصوصة، وعن مراتب تلك الألفاظ، وقد ألف فيه كتابا من
تسع مجلدات، يعتبر من أقدم ما أُلف في هذا العلم.
v
إذا وجد التفسير عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم لم يذكر معه أحدا من الصحابة ممن أتى بمثل ذلك. فعند تفسيره لقوله تعالى)غَيْرِ اِلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَاَلضَّآلِّينَ(،
ذكر السند عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: المغضوب عليهم اليهود،
والضالين النصارى. معنى هذا أنه لم يذكر قولا آخر مماثلا لقول الرسول عليه الصلاة
والسلام2. ولكنه إذا وجد قولا يفيد الزيادة في المعنى يذكره، فعند
وقوفه على لفظة "اَلرَّحْمَن" من قوله تعالى"اَلرَّحْمَنِ
اِلرَّحِيمِ" في سورة الفاتحة، قال"حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا زيد بن
الحُبَاب عن عَنْبَسة قاضي الرَّيّ عن مُطَرِّف عن سعد بن إسحاق عن جابر بن عبد
الله قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يقول الله: قسمت الصلاة بيني وبين
عبدي، فإذا قال الحمد لله رب العالمين، قال: مدحني عبدي، وإذا قال، الرحمن الرحيم،
قال: أثنى علي عبدي"3. ثم أتى بوجه آخر يفيد به معنى آخر، فقال
"حدثنا أبي، حدثنا محمد بن عبد الرحمن العَرْزَمِي، حدثنا أبي، عن جويبر، عن
الضحاك في قوله"اَلرَّحْمَنِ اِلرَّحِيمِ" قال: الرحمن بجميع خلقه،
والرحيم بالمؤمنين خاصة"4 .
v
إذا وجد التفسير عن الصحابة إن كانوا متفقين
ذكره عن أعلاهم درجة بأصح الأسانيد، وسمى موافقيهم بحذف الإسناد، وإن كانوا
مختلفين ذكر اختلافهم وذكر لكل واحد منهم إسنادا. وسمى موافقيهم بحذف
الإسناد.
-
إن كانوا متفقين، مثال ذلك:
قال المؤلف عند تفسيره لفظة "سَبِيلاً"
من قوله تعالى "وَللهِ عَلَى اَلنَّاسِ حَجُّ اُلْبَيْتِ مَنِ اِسْتَطَاعَ
إِلَيْهِ سَبِيلاً" : حدثنا أبو زرعة الرازي[...] عن علي قال: قال
رسول الله صلى الله عليه
وسلم: من ملك زادا، راحلة فلم يحج بيت
الله، فلا يضره يهوديا مات أو نصرانيا،5
وذلك أن الله قال في كتابه " وَللهِ عَلَى اَلنَّاسِ حَجُّ اُلْبَيْتِ
مَنِ اِسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً".
حذف الإسناد مثل: عند تفسيره قوله تعالى" لاَ رَيْبَ فِيهِ" قال حدثنا أبي، حدثنا أبو
اليمان[...] عن أبي الدرداء قال : الريب – يعني الشك- من الكفر. قال أبو محمد: ولا
أعلم في هذا الحرف اختلافا بين المفسرين منهم ابن عباس، وسعيد بن جبير، وأبو مالك،
ونافع مولى ابن عمر، وعطاء بن أبي رباح، وأبو العالية، والربيع بن أنس، وقتادة،
ومقاتل بن حيان، والسدي، وإسماعيل بن أبي خالد6 .
-
إن كانوا مختلفين، مثال:
عند
تفسيره قوله تعالى)اهْدِنَا اَلصِّرَاطَ اَلْمُسْتَقِيمَ(، ذكر فيها أربعة وجوه للتفسير:
1-
الصراط المستقيم كتاب الله
2-
الصراط المستقيم الإسلام
3-
الصراط المستقيم النبي وصاحباه من بعده
4-
الصراط المستقيم هو الحق
وكل
وجه من هذه الوجوه نجد فيه سندا خاصا.
v
إذا لم يجد التفسير عن الصحابة ذكر عن
التابعين ثم أتباع التابعين. وعمل في ذلك ما ذكره من المثال في الصحابة. وسأذكر
هنا اختلاف روايات التابعين التي ساقها ابن أبي حاتم عند تفسير قوله تعالى "لاَ
يَنَالُ عَهْدِيَ اَلظَّالِمِينَ"، اختلف في تفسيره على أوجه:
1-
فسر العهد بمعنى الدين، قال: حدثنا عصام بن رواد
حدثنا آدم عن أبي جعفر عن الربيع عن أبي العالية قال: قال الله: "لاَ يَنَالُ
عَهْدِيَ اَلظَّالِمِينَ" فعهد الله الذي عهد إلى عباده دينه قال: لا ينال
ديني الظالمين. وروى عن الربيع بن أنس مثل ذلك.
2-
فسر العهد بمعنى الرحمة، قال: حدثنا أبو
سعيد الأشج حدثنا عقبة بن خالد حدثني واصل بن السائب قال: سألت عطاء عن قوله:
" لاَ يَنَالُ عَهْدِيَ اَلظَّالِمِينَ" قال: هي رحمته لا ينالها إلا
المؤمنين أهل الجن ورحمته في الدنيا على الخلق كلهم.
3-
فسر العهد بمعنى النبوة، قال: حدثنا أبو
زُرْعة حدثنا عمرو بن حماد حدثنا أسباط عن السدي: " لاَ يَنَالُ عَهْدِيَ اَلظَّالِمِينَ"
يقول: عهدي: نبوتي.
4-
فسر العهد بمعنى الطاعة، قال: حدثنا أبي
حدثنا الحكم بن موسى حدثنا مروان حدثنا جويبر عن الضحاك: "لاَ يَنَالُ عَهْدِيَ
اَلظَّالِمِينَ" يقول: لا ينال طاعتي عدو لي، ولا أَنْحَلُها إلا وليا
يطيعني. وروى عن مقاتل بن حيان مثل ذلك.
v
كثيرا ما نجد ابن أبي حاتم يذكر تفسير
الآي عن بعض المفسرين، كأبي العالية والسدي والربيع بن أنس ومقاتل غفلا عن
الإسناد، ولكنه أشار إلى هذا الإسناد في المقدمة، فقال: "فاما ما ذكرنا عن أبي العالية في سورة البقرة بلا إسناد فهو ما
حدثنا عصام بن رواد العسقلاني ثنا آدم عن أبي جعفر الرازي عن الربيع بن انس عن أبي
العالية، وما ذكرنا فيه عن السُّدِّيِّ بلا إسناد فهو ما حدثنا أبو زرعة عمرو بن
حماد بن طلحة ثنا أسباط عن السدي. وما ذكرنا عن الربيع بن أنس بلا إسناد فهو ما
حدثنا أبي ثنا أحمد بن عبد الرحمن الدشتكي ثنا عبد الله بن أبي جعفر عن أبيه عن
الربيع بن أنس . وما ذكرنا فيه عن مقاتل فهو ما قرأت على محمد بن الفضل بن موسى،
عن محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، عن محمد بن مزاحم، عن بكير بن معروف، عن
مقاتل"7.
v
اتبع ابن أبي حاتم في تفسيره منهج
الاختصار، ولذلك نجده لم يذكر سبب نزول السور إلا قليلا لما في ذلك من اختلاف
الروايات، أو أن هذا العلم أي علم أسباب النزول لم يؤلف فيه في عصر ابن أبي حاتم.
v
إن ما يتميز به ابن أبي حاتم في التفسير
هو الصنعة الحديثية؛ لأن الرجل محدث وفقيه، لذلك نجد تفسيره زاخرا بالأحاديث من
أوله إلى آخره، وإذا نظرت إلى هذا التفسير دون أن يكون لك سابق علم به ستحسبه
كتابا من كتب الحديث.
v
إن تفسير ابن أبي حاتم رغم شهرته بالحديث
فهو لا يخلو من الفوائد اللغوية الكثيرة، التي يسوقها بسندها، وسأذكر من ذلك ما
يلي :
- [...] عن أبي العالية "قُلْ هَاتُوا
بُرْهَانَكُم" أي حجتكم.
-
[...] عن قتادة
"قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُم" قال: بينتكم على ذلك إن كنتم صادقين.
-
[...] عن أبي
العالية " بَلَى مَنَ اَسْلَمَ وَجْهَهُ للهِ" يقول: من اخلص لله، وروي
عن الربيع مثل ذلك.8
-
[...] عن مجاهد
"كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ" قال: مطيعون.
-
[...] عن ابن عباس
قال: قانتين: مصلين.9
-
[...] عن ابن عباس، في قوله "فَلاَتَعْضُلُوهُنَّ" قال: يقول: فلا
تنمعوهن: تحبسونهن.
-
[...] عن أبي مالك "إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم
بِالْمَعْرُوفِ" قال: إذا رضيت الصداق.
-
[...] عن مقاتل بن حيان قوله: "إِذَا تَرَاضَوْا
بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ" يعني: بمهر، وبينة ونكاح مؤتنف.10
-
[...] عن السدي "اَلذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم
مُّلاَقُوا رَبِّهِمْ" : الذين يستيقنون.11
-
[...] عن ابن عباس"بِإِذْنِ اِللهِ"
يقول: بأمر الله.12
-
[...] عن السدي، قوله: "وَآتَاهُ اُللهُ
اُلْمُلْكَ" يقول: وأعطاه.13
-
[...] عن السدي قوله: "وَآتَاهُ اُللهُ
اُلْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ" قال: الحكمة هي النبوة.
-
[...] عن الحسن في قوله عز وجل
"الْحِكْمَةَ" قال: السنة.
-
حدثني علي بن الحسين[...] قال "الْحِكْمَةَ" العقل في
الدين.14
-
[...] عن سعيد بن جبير" وَلَكِن
لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي" قال: ليوقن.15
-
[...] عن ابن عباس "إِلَى أَجَلٍ
مُّسَمًّى" قال: إلى أجل معلوم.16
-
[...] عن سعيد بن جبير، في قوله تعالى "وَلاَ
يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً" يقول: ولا ينقص من حق الطالب شيئا.17
يمكن أن نلخص منهج ابن أبي حاتم في أنه يأتي بالآية موضع التفسير
ثم يذكر أوجه التفسير فيها، مرة يورد وجها واحدا ومرة أخرى يورد وجها ثانيا ثم
ثالثا ثم رابعا ثم خامسا ثم سادسا ثم سابعا، وكل سند يصدره بصيغة "حدثنا"
أو"حدثني"(وهذا كثير) أو "أخبرنا" أو" أخبرني"(وهذا
قليل). ونجده يقول "به عن فلان"، وذلك إذا ذكر السند في الآية الأولى،
ثم يتعرض لنفس السند في الآية التي تليها. مثال: )حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا ابن علية عن خالد الحذاء عن عكرمة "ألم"
قسم، ثم الآية الثانية "ذَلِكَ اَلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ" به عن عكرمة "
ذَلِكَ اَلْكِتَابُ " قال: هذا الكتاب وهكذا فسره سعيد بن جبير والسدي ومقاتل
بن حيان وزيد بن أسلم)18.
3- قيمة التفسير وخصائصه:
1- ينظر: ابن أبي حاتم الرازي، تفسير
القرآن العظيم ، 1/14.
2- ينظر:
ابن أبي حاتم الرازي، تفسير القرآن العظيم، 1/ 31.
3- نفس
المصدر، 1/28.
4-
نفس
المصدر. 1/28.
5-
فالعبارة
التي تحتها خط لم تكن واضحة المعنى. وهكذا كتبت في مصدرها المشار إليه.
6- نفسه،
1/34.
7- تفسير القرآن العظيم لابن أبي حاتم الرازي، 1/14، 15.
8- ابن أبي حاتم الرازي، تفسير القرآن العظيم ، 1/207، 208.
9- نفس المصدر، 1/213، 214.
10-
نفس
المصدر، 2/427.
11-
نفس المصدر، 2/476.
12-
نفس
المصدر، 2/477.
13-
نفس
المصدر، 2/479.
14-
نفس
المصدر، 2/480.
15-
نفس
المصدر، 2/509.
16-
نفس
المصدر، 2/555.
17-
نفس
المصدر، 2/558.
18-
ابن
أبي حاتم الرازي، تفسير القرآن العظيم ، 1/33.

تعليقات
إرسال تعليق
أترك(ي) تعليقاتك لتحفيزنا وتشجيعنا لمواصلة العطاء