القائمة الرئيسية

الصفحات

تفسير أبي الليث السمرقندي المعروف بـ"بحر العلوم"

 

تفسير أبي الليث السمرقندي (ت375هـ)
المعروف بــــ"بحر العلوم"


1-       ترجمة المؤلف:

     هو" الإمام الفقيه المحدث الزاهد، أبو الليث نصرُ بنُ محمد بنِ إبراهيم السَّمَرْقَنْدِي الحنفي"1نسبة إلى سَمَرْقَنْد، وهي " من أكبر المدن وأحسنها وأتمها جمالا"2، وتوجد هذه المدينة على الشاطئ الغربي لنهر زَرَفْشان في أُزْبَكِستان الحالية.

لم تذكر كتب التراجم سنة ولادة المؤلف، أما سنة وفاته فقد اختُلف فيها كثيرا فمنهم من أورد "373هـ، و375هـ، و393ه"3، ومنهم من ذكر" 373هـ"4، ونحن سنكتفي بسنة الوفاة التي أوردها محقق " تفسير بحر العلوم للسمرقندي"، وهي 375هـ. 

2-      شيوخه:

-                أبو جعفر الهِنْدُوَانِيّ
أبو جعفر الهندواني، هو الشيخ الوحيد لأبي الليث السمرقندي الذي عثرنا عليه في كتب الطبقات والتراجم5 التي وقفنا عليها، ولا ندري هل هو فعلا شيخه الوحيد أو أن هؤلاء المترجمين لم يعرفوا الكثير عن حياة أبي الليث مما جعلهم يغضون الطرف عن هذا الجانب المهم في مسيرة هذا المفسر؟ ولكن محقق تفسير "بحر العلوم" أضاف آخرين، وهم:
-                 والده محمد بن إبراهيم التوذي، كان فقيها فاضلا ورعا، وكان شيخه في مرحلة الصغر.
-                 الخليل بن أحمد القاضي السجزي، شيخ الحنفية في زمانه كان مقدما في الفقه والحديث.
-                 محمد بن الفضل البَلْخي المفسر.


3- تلاميذه:

-                 أبو بكر محمد بن عبد الرحمن الترمذي

نفس الشيء يتكرر مع تلامذة المؤلف، ولكن المحقق أضاف أيضا بعض التلاميذ، وهم:

-                 لقمان بن حكيم الفرغاني، راوي عنه الكتب.

-                 نعيم الخطيب أبو مالك من الرواة عنه.

-                 محمد بنُ عبد الرحمن الزبيري من الرواة عنه.

-                 أحمد بنُ محمد أبو سهل من الرواة عنه.

-                 طاهر بنُ محمد بنِ أحمد بنِ نصر أبو عبدِ الله الحدادي. 

نلاحظ أن المحقق قد توصل إلى هؤلاء التلاميذ من خلال روايتهم عن أبي الليث السمرقندي، أما الرجوع إلى الكتب التي ترجمت للمؤلف فلا يجدي نفعا في هذا المضمار. 

 

4-      مصنفاته:

    لقد كان السمرقندي ذا ثقافة واسعة، مما جعله يؤلف في شتى الميادين، حيث ألف في التفسير، والفقه، والزهد والرقائق، وأصول الدين. ومن هذه المصنفات، ما سأذكره في الجدول الآتي:

التفسير

الفقه

الزهد والرقائق

أصول الدين

تفسير القرآن العظيم

خزانة الفقه(ط)

تنبيه الغافلين(ط)

أصول الدين

 

عيون المسائل في فروع المذهب الحنفي(ط)

بستان العارفين(ط)

بيان عقيدة الأصول

 

مقدمة أبي الليث في الصلاة

قرة العيون ومفرح القلب المحزون(ط)

أسرار الوحي

 

تأسيس النظائر الفقهية وهي في فروع المذهب الحنفي

 

رسالة في المعرفة والإيمان

 

المبسوط في فروع الفقه الحنفي

 

رسالة في الحكم

 

شرح الجامع الكبير والجامع الكبير لمحمد بن الحسن الشيباني

 

قوت النفس في معرفة الأركان الخمس

 

5-                         التعريف بالمؤلف:

     تفسير السمرقندي المسمى ببحر العلوم، تحقيق وتعليق علي محمد معوض، وعادل أحمد عبد الموجود، و زكرياء عبد المجيد النوتي، دار الكتب العلمية- بيروت لبنان_، ط 1، 1413هـ/1993م. ج3.

عندما اطلعت على كتب التراجم ك" كشف الظنون" لحجي خليفة، و"الأعلام" للزركلي و"الجواهر المضيئة في طبقات الحنفية" لمحي الدين أبي محمد القرشي الحنفي (ت775)ه، وكتابه "عيون المسائل"، لم أجد أحدا سماه ب"بحر العلوم"، إلا صاحب كتاب "التفسير والمفسرون" الإمام الذهبي، هو وروده ب"تفسير القرآن" أو تفسير القرآن العظيم"

إن تفسير أبو الليث السمرقندي من التفاسير المشهورة في التفسير بالمأثور، وهو كتاب لطيف مفيد، بدأه أبو الليث بباب في الحث على طلب التفسير وبيانِ فضله، استشهد لذلك بأقوال رواها بإسناده عن الصحابة والتابعين، ثم بين أنه لا يجوز لأحد أن يفسر برأيه من ذات نفسه ما لم يتعلم أو يعرفْ وجوهَ اللغة وأحوالَ التنزيل، واستدل على حرمة التفسير بمجرد الرأي بروايات أسندها إلى قائلها من سلف الأمة، ثم بين أن الرجل إذا لم يعلم وجوهَ اللغة وأحوالَ التنزيل، فليتعلم التفسيرَ ويتكلفَ حفظَه ولا بأس بذلك على سبيل الحكاية.     

6-          منهجه في التفسير:

     نحا أبو الليث السمرقندي في هذا التفسير منحى المفسرين بالمأثور، وأضاف  إلى ذلك فوائد لغوية ونحوية وبلاغية وفقهية، وسنوضح ذلك فيما يلي:   

أ‌-       يفسر السمرقندي القرآن بالقرآن وذلك إما لتأكيد المعنى أو توضيحه أو بيان حكم فقهي أو ظاهرة لغوية. ومثال ذلك ما ذكره في قوله تعالى(لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ)6 ليؤكد بها الأيام المعدودات التي جاءت في قوله تعالى(وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ)7 وهي أيام النحر.

 

ب‌-          نلاحظ أن المؤلف في تفسيره للقرآن بالحديث:

قد يذكر الحديث بدون سند، ففي تفسريه قوله تعالى(وَمَن يُّوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً) أنه قال رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "خيرُ الصحابة أربعةٌ وخيرُ السرايا أربعُمائة وخيرُ الجيوش أربعةُ الآف ولن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة إذا كانت كلمتهم واحدة"8.

وقد يذكر سند الحديث كاملا وهذا قليل، فعند تفسيره لقوله تعالى(فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا)9 أورد السند كاملا، حيث قال: حدثنا أبو عبد الرحمن بن محمد قال: حدثنا فارسُ بنُ مردويه قال: حدثنا محمد بنُ الفضل قال: حدثنا أصرم عن عيسى بن عبد الله الأشعري عن زيد بن علي بن الحسين عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو علِم الله أدنى من أفٍّ لحرَّمه، فليعمل العاقُ ما شاء أن يعملَ فلن يدخل الجنة، وليعملْ البار ما شاء أن يعمل فلن يدخل النار.     

وقد يكتفي بالراوي، مثاله: وروى موسى ابن طلحة قال: سُئِل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن "سبحان" فقال: نزه الله نفسه عن السوء.

ت‌-         أقوال الصحابة والتابعين:

يروي أبو الليث أقوال الصحابة والتابعين بسنده تارة، وبإسناد مقطوع تارة أخرى، وكان كثير الرواية عن ابن عباس وهذا يدل على وفائه للمدرسة المكية، ويذكر في الآية الواحدة أكثر من قول ولا يعلق على ذلك إلا في بعض الأحيان. أما الكلبي فكان يدافع عنه في بعض الأحيان حيث يرجح بعض أقواله. ونضرب مثالا لذلك بقوله : حدثني أبي رحمه الله، قال حدثني محمد بن حامد قال: حدثني علي بن إسحاق قال حدثنا محمد بن مروان عن عطاء بن السائب عن أبي الضحى عن ابن عباس في قوله تعالى "ألم" يعني أنا الله أعلم،[...] ثم قال وقال الكلبي: هذا قسم أقسم الله تعالى بالقرآن، أن هذا الكتاب الذي أُنزل على قلب محمد صلى اله عليه وسلم هو الكتاب الذي نزل من عند الله تعالى لا ريب فيه، ثم قال: وقال بعض أهل اللغة إن هذا الذي قال الكلبي لا يصح؛ لأن جواب القسم معقود على حروف مثل(أن، وقد، ولقد، وما، واللام)، وهنا لم نجد حرفا من هذه الحروف فلا يجوز أن يكون يمينا. ولكن الجواب أن يقال: موضع القسم قوله "لاَ رَيْبَ فِيهِ" فلو أن إنسانا حلف فقال: والله هذا الكتاب لا ريب فيه لكان الكلام سديدا وتكون لا جوابا للقسم، فثبت أن قول الكلبي صحيح السند10.          

ث‌-  نجد المؤلف عند بدئه في تفسير السورة، يذكر أنها مكية أو مدنية، ويذكر عدد آياتها، ويشير إلى الآيات التي نزلت في مكة وكذلك التي نزلت في المدينة مع ذكر اختلاف الصحابة في ذلك. وعند تفسيره لسورة الفاتحة أورد أقوال الصحابة واختلافهم في مكان نزولها، حيث قال: روي عن مجاهد أنه قال: مدنية، وابن عباس: مكية، ويقال "نصفها بمكة ونصفها نزل بالمدينة"11.

كما أنه يعتني بسبب النزول، ويأتي بأكثر من سبب ولا يرجح بينها.      


ج‌-   يتعرض المؤلف للقراءات، ويبين قراءات كل قارئ، ويوجهها، فعندما فسر قوله تعالى"مَلِكِ يَوْمِ اِلدِّينِ" ذكر قراءات الآية مع توجيهها، فقال: قرأ نافع وابن كثير وحمزة وأبو عمرو بن العلاء وابن عامر: ملك بغير الألف، وقرأ عاصم والكسائي بألف. فأما من قرأ بالألف قال: لأن "المالك" أبلغ في الوصف؛ لأنه يقال مالك الدار ومالك الدابة، ولا يقال ملك إلا لملك من الملوك وأما الذي قرأ: ملك بغير ألف؛ لأن الملك ابلغ في الوصف؛ لأنك إذا قلت: فلان ملك هذه البلدة يكون ذلك كناية عن الولاية دون الملك، وإذا قلت فلان مالك هذه البلدة كان ذلك عبارة عن ملك الحقيقة.12             

ح‌-   كان أبو الليث يذكر الآية ويفسرها، ويبين الناسخ والمنسوخ، كما أنه يذكر الأقوال المتضاربة حول نسخ تلك الآية. مثال ذلك قوله تعالى(يَسْأَلُونَكَ مَا ذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَآ أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ) قال: نسخ ذلك بآية الزكاة، وقال بعضهم آية الزكاة نسخت كل صدقة كانت قبلها، وقال بعضهم: هذه الآية ليست منسوخة وإنما فيها بر الوالدين وصلة الأرحام.

خ‌-   لقد ظهرت بوادر الفقه في هذا التفسير حيث نجد المؤلف يفصل في الأحكام الفقهية ويبينها ثم يذكر ما كان عليه المذهب عندهم، ويأتي بأقوال الصحابة ليستدل على صحة ما سار عليه العمل عندهم، كما يبين الحكم الخاص من العام.    

د‌-         يستشهد بالشعر ويستعين به على تفسير القرآن وتوضيحه، ولكنه في الغالب لا يعزو الأبيات الشعرية إلى أصحابها، مثال ذلك قوله تعالى "فاتبعوني يحببكم الله" يقال إن الحب من الله عصمتُه وتوفيقُه، والحب من العباد طاعتُه، كما قال القائل:

               تعصي الإله وأنت تظهر حبه      هذا لعمري في القياس بديع

                  لو كان حبك صادقا لأطعته       إن المحب لمن يحب مطيع

ومن ذلك أيضا قوله تعالى" ...والاثم والبغي..." قال: الإثم الخمر بدليل قول الشاعر:

                   شربت الإثم حتى ضل عقلي    كذاك الإثم يذهب بالعقول

وقد يعزي بعض الأشعار إلى قائلها، مثل قوله تعالى" يسألونك عن الانفال" يعني الغنائم واحدها غنيمة نفلن قال: قال لبيد:

                         إن تقوى ربنا خير نفل     وبإذن الله ريْثي والعَجل

 

ذ‌-                       بالإضافة إلى ما سبق فإننا نجد علوم اللغة حاضرة بقوة في هذا التفسير، نذكر منها:

ر‌-  البلاغة:

نجد أبا الليث يذكر الوجوه البلاغية كثيرا في تفسيره، ومن ذلك قوله تعالى" قل للذين أوتوا الكتاب والاميين آسلمتم"، يقال: اللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به الأمر، فكأنه قال: أسلموا. ويؤكد ذلك بمعاني أخرى كقوله تعالى" فهل انتم منتهون" أي انتهوا. وفي آية أخرى " أفلايتوبون إلى الله ويستغفرنه" أي توبوا.13     

ز‌-   الصرف:

ما ذكره في قوله تعالى{ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ}14 روي عن الفراء أنه قال: القناطير جمع قنطار، والمقنطرة جمع الجمع فيكون تسع قناطير. وروى عن أبي عبيدة أنه قال: المقنطرة "مفعّلة من الورق"، كما يقال: ألف مؤلّفة، وبذر مبذّرة. فهو يستخدم الصرف لتوضيح معنى الكلمة.

س‌- النحو:

يوظف أبو الليث النحو كوسيلة لتوجيه القراءات، ومن ذلك قوله تعالى{وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)15 حيث ذكر أن" حمزة قرأ والأرحام بكسر الميم والباقون بنصب الميم،...قال الزجاج: من قرأ بالخفض فخطأ في العربية...لان الاسم يعطف على الاسم المفصح به ولا يعطف على المكنى به إلا في اضطرار الشعر.



1.      محمد بن أحمد الذهبي، سير أعلام النبلاء، تحقيق علي أبي زيد، مؤسسة الرسالة، ط1، 16/322.

2.      محمد بن عبد الله اللواتي الطنجي، رحلة ابن بطوطة، مطبوعات أكاديمية المملكة المغربية، (د. ط)، 1417هـ/1997م، 3/35.

3.      مصطفى بن عبد الله(حاجي خليفة)، كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، عنى بتصحيحه وطبعه على نسخة المؤلف محمد شرف الدين يالتقايا والمعلم رفعت بيلك الكليسى، دار إحياء التراث العربي- بيروت لبنان- (د.ط)، (د.ت)، 2/1187، 1220، 1580.

4.   عبد القادر أبو محمد بن محمد بن سالم بن أبي الوفاء القرشي الحنفي، الجواهر المضيئة في طبقات الحنفية، تحقيق عبد الفتاح محمد الحلو، هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان، ط 2، 1413هـ/1993م، 3/544، 545.

5.      مثل: سير أعلام النبلاء، والجواهر المضيئة.

6.      سورة الحج، الآية: 28.

7.      سورة البقرة، الآية 201.

8.      تفسري بحر العلوم، 2/11.

9.      سورة الإسراء : من الآية 23.

10. ينظر: أبو الليث السمرقندي، تفسير القرىن العظيم، 1/85، 86، 87.

11. ينظر : أبو الليث السمرقندي، تفسير القرىن العظيم، 1/78.

12. ينظر: أبو الليث السرقندي، تفسير القرآن العظيم، 1/80.

13. أبو الليث السمرقندي، تفسير القرآن العظيم، 1/245.

14. سورة البقرة، الآية: 14

15. سورة النساء، الآية: 1.

تعليقات

التنقل السريع