ترجمة الماوردي
ت 450هــ
تعريف الماوردي1
1- ولادتـه وحياته
هو علي بن محمد بن حبيب القاضي أبو الحسن الماوردي البصري الشافعي 2، وقد ولد
الإمام بالبصرة سنة أربع وستين وثلاث مائة للهجرة، وإليها ينسب، وفيها ترعرع،
وتلقى تعليمه في صباه وأوائل فتوته، فقضى شطرا مهما من حياته فيها، ووضع البذرة
الصالحة لتعليمه فيها، ولا شك أنها كانت إحدى العواصم الفكرية المشهودة آنذاك،
فنهل من مناهل علمها، واغترف من ينابيع معرفتها الصافية على يد أبي القاسم الصيمري،
زعيم الفقه الشافعي هناك، ثم رحل إلى بغداد استكمالا لثقافته وتحصيله العلمي، وبعد
أن تم تحصيله العلمي ودرس سنين كثيرة، اختير للقضاء ببلدان كثيرة، وبعد أن جال في
الأقطار عاد إلى بغداد، فدرَّس بها عدة سنين، وحدَّث فيها وفسَّر القرآن، وألف
فيها كتبه، ثم لقب بلقب أقضى القضاة سنة 429ه.3
2- أســرتــه
لم تذكر المصادر التاريخية شيئا عن أسرة
الماوردي وأفراد عائلته، إلا إشارة إلى وجود أخ له، وإن ذلك الأخ كان شاعرا، فقد
ذكر الماوردي في كتابه " أدب القاضي " وهو في بغداد: '' كتب إلي أخي من
البصرة، وقد اشتد شوقه إلى مقامي ببغداد شعرا قال فيه:
طِيبُ الْهَــــوَاءِ بِبَغْــدَادَ
يُـشَــوِّقُــنِــــــــي......قُدُماً إِلَيْهَا وَإِنْ عَاقَتْ مَقَادِيـــــرِي
فَكَيْفَ صَبْرِي عَنْهَا الْآنَ إِذْ جَمَعَتْ......طِيبَ
الْهَوَاءَيْنِ مَمْدُودٌ وَمَقْصُورُ4
3- شيوخه وتلاميذه
4- شخصية الماوردي العلمية
تبرز لنا شخصية الماوردي متعددة الجوانب
في آن واحد، فهو سياسي، وقاضٍ، وفقيه، وأصولي، ومتكلم، ومفسر، ومحدث، ولغوي،
ونحوي، وهو أديب وشاعر، وحسبنا به ما قال فيه تـلميذه أبو الفضل بن خيرون: ''
الحافظ كان رجلا عظيم القدر متقدما عند السلطان، أحد الأئمة ''.
وقد شهدت الفترة التي عاشها الماوردي (
364ه-415ه ) تطورا عظيما، وحفلت بحركة علمية واسعة شملت العلوم المختلفة، لذلك فلا
غرابة إذا وجدناه '' يؤلف في كل جانب من هذه الجوانب بنَـفَسٍ لا يقل عن
المتخصصين، فهو ذو شخصيات علمية متعددة ترفعه إلى مصافِّ الكُتَّاب الموسوعيين في
عصره 7.
5- الماوردي بين تهمة الاعتزال والبراءة منها
اتهم ابنُ الصلاح الإمامَ الماوردي بالاعتزال في كتابه
'' طبقات الفقهاء '' فقال: '' هذا الماوردي
- عفا الله عنه – يُتهم بالاعتزال، وكنت لا أحقق ذلك عليه، وأتأول له، وأعتذر عنه
في كونه يورد في تفسيره في الآيات التي يختلف فيها أهل السنة وتفسير المعتزلة
وجوها يسردها، يمزج فيها أقاويلهم، من غير تعرض منه لبيان ما هو الحق منها، فأقول:
لعل قصده إيراد كل ما قيل من حق وباطل. ولهذا يورد من أقاويل المشبهة أشياء مثل
هذا الإيراد، حتى وجدته في بعض المواضع يختار قول المعتزلة، وما بنوه على أصولهم
الفاسدة، ومن ذلك مصيره في سورة الأعراف إلى أن الله سبحانه وتعالى لا يشاء عبادة
الأوثان. وقال في قوله تعالى: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ
الْإِنْسِ وَالْجِنِّ}، في قوله '' جعلنا '' وجهان: أحدهما معناه حكمنا بأنهم
أعداء، والثاني: تـركناهم على العداوة فلم نمنعهم منها، وتفسيره عظيم الضرر لكونه
مشحونا بكثير من تأويلات أهل الباطن تدسيسا وتـلبيسا، على وجه لا يفطن لتمييزها غيـر
أهل العلم، مع أنه تأليف رجل لا يتظاهر بالانتساب إلى المعتـزلة حتى يحذر، وهو
مجتهد في كتمان موافقته لهم فيما هو لهم فيه موافق8.
وقد تبع ابنَ الصلاح مجموعةٌ من العلماء
في اتهام الماوردي بالاعتزال، منهم ابن حجر بقوله:
'' أبو الحسن الماوردي، صدوق في نفسه لكنه معتزلي ''9، وكل من أتى بعد ابن الصلاح
ينسب اتهامَ الماوردي بالاعتزال إليه، وقد دافع تاج الدين السبكي عن الماوردي،
وحاول رد التهمة التي وُجهت إليه بقوله: '' والصحيح أنه ليس معتزليـا، ولكنه يقول
بالقدر، وهي البلية التي غلبت على أهل البصرة ''10. ونجد ابنَ الصلاح قـد عـدل عن
اتهامه المطلق للماوردي بالاعتزال بقوله: '' ثم هو ليس معتزلـيا مطلقـا، فإنه لا
يوافقهم في جميع أصولهم مثل خلق القرآن على ما دلَّ عليه تفسيره في قوله عز وجل: {
مَا يأتيهم من ذكر من ربهم محدث }، وغير ذلك.
6- الماوردي الفقيه
تجمع كل المصادر التي ترجمت للماوردي على
أنه فقيه مجتهد، شافعي المذهب، ومعلوم أن ما ميز الفترة التي عاش فيها الماوردي هو
التعصب والتقليد، إلا أن الإمام خرق حجاب التقليد وأنكره؛ إذ نجده يذكر في "
أدب القاضي" : '' إذا تقلد القضاء بوجود الشروط السبعة فيه وجب عليه أن يحكم
باجتهاد نفسه، وإن اعتـزى إلى مذهب من مذاهب أئمة الوقت؛ كمن أخذ بمذهب الشافعي أو
بمذهب أبي حنيفة، ولم يجز أن يقلد صاحب مذهبه وعمل على اجتهاد نفسه، وإن خالف مذهب
من اعتزى إليه: فإن كان من أصحاب الشافعي وأدَّاعه اجتهاده في حالة إلى العمل فيها
بقول أبي حنيفة، أو كان من أصحاب أبي حنيفة وأداه اجتهاده فيها إلى العمل بقول
الشافعي جازَ...'11. ولعل اجتهاده في هذه الفترة هو الذي جعل ابن الصلاح يتهمه
بالاعتزال.
7- كتب الماوردي
ذكر ابن خلكان في وفياته أن الماوردي لم
يكن قد أبرز شيئا من مصنفاته في حياته، وإنما أوصى رجلا من أصحابه إذا حضره الموت
أن يضع يده في يده، فإن رآه قبض على يده فلا يخرج من مصنفاته شيئا، وإن رآه بسط
يده فهي علامة قبولها فليخرجها، فبسطها فأخرج الرجل كتبَه بعد موته12. ونتيجة لهذه
الشخصية التي تعددت جوانبها العلمية، فقد ألف الماوردي عددا لا بأس به من الكتب في
مختلف العلوم والفنون، ولا غرابة في ذلك، فقد كان ذلك شأن النابغين في ذلك العصر
من أمثال ابن سينا (ت 428ه)، وابن مسكويه ( ت 421ه )، وغيرهما من الكُتَّاب
الموسوعيين الذين أرادوا أن يؤلفوا في شتى العلوم، ولعله نمط تفكيرهم آنذاك. وحسبنا
به ما قاله فيه العلماء، فقد ذكر الشيخ أبو إسحاق أن '' له مصنفات كثيرة في الفقه
وأصوله، والتفسير والأدب، وكان حافظا للذهبي ''، وقال تلميذه ابن خيرون: '' الحافظ
كان رجلا عظيم القدر متقدما عند السلطان، أحد الأئمة، له التصانيف الحِسان في كل
فن من العلم ''13.
وإجمالا يمكن القول إن من بين مصنفـات
الماوردي نجد '' الحاوي ''14 في الفـقه، و'' تفسيـر القرآن'' سماه '' النكت ''، و''
الأحكام السلطانية ''15، و'' أدب الدنيا والدين ''، و'' الإقناع ''16 في الفقه، و''
قانون الوزارة ''17، و'' سياسة الملك ''18، ونجد أيضا: كتاب '' البيوع ''19، وكتاب
'' أعلام النبوة ''20، وكتاب '' تسهيل النظر وتعجيل الظفـر''، وكتاب '' نصيحة
الملوك ''، وكتاب '' في النحو''، وكتاب '' الأمثال والحكم '21.
8- وفـــاتـــه
أجمع الذين ترجموا للماوردي على أنه عاش
ستّـاً وثمانين سنة، فقد '' مات في يوم الثلاثاء ربيع الأول سنة خمسين وأربعمائة
بعد موت أبي الطيب بأحد عشر يوما''22. كما اتفق المؤرخون على أنه دفن '' ببـاب حرب في بغداد يوم
الأربعاء، مستهل شهر ربيع الآخر، وقد صلى عليه الخطيب البغدادي في جامع المدينة،
وحضر جنازته من حضر جنازة القاضي أبي الطيب الطبري من العلماء والرؤساء وأرباب
الدولة، لأنه توفي بعد وفاة أبي الطيب الطبري بأحد عشر يوما '23.
1- لقب الإمام الماوردي بهذا اللقب لأنه كان يبيع ماء الورد لطلبة
العلم قرب المساجد، وهي حرفة ورثها عن أبيه.
2- السيوطي، طبقات المفسرين، راجع النسخة وضبط أعلامها لجنة
من العلماء بإشراف الناشر، دار الكتب العلمية، بيروت- لبنان، ط.1، 1403ه- 1983م،
ص.71.
3- الماوردي، أدب القاضي، تحقيق: محيي هلال السرحان، مطبعة الإرشاد، بغداد، 1391ه- 1971م، ج.1، ص19.
4-
ابن حجر العسقلاني، لسان الميزان، المجلد الرابع، منشورات مؤسسة
الأعلمي للمطبوعات بيروت- لبنان، ط.2.[1] 1390ه- 1971م، ص.260،
ترجمة رقم 715.
5-
الماوردي، أدب القاضي، تحقيق محيي هلال السرحان، ج.1، ص.32.
6-
ابن حجر العسقلاني، لسان الميزان، ج.4، ص.260.
7- الداودي، طبقات المفسرين، راجع النسخة وضبط أعلامها لجنة من العلماء بإشراف الناشر، ج.1، دار الكتب العلمية بيروت- لبنان، ط.1. 1403ه- 1983م، ص. 427- 428.
8- الماوردي، أدب االقاضي، تحقيق محيي هلال السرحان، ج.1، ص32
9- ابن الصلاح(ت643ه)، طبقات القهاء الشافعية، تحقيق محيي الدين علي
نجيب، دار البشائر الإسلامية بيروت-لبنان، ط.1 1413ه- 1992م.
10-
ابن حجر العسقلاني، لسان الميزان، ج.4، ص.260.
11-
الداودي، طبقات المفسرين، ج.1، ص.428.
12-
الماوردي،
أدب القاضي، ج.1، ص. 33.
13-
ابن خلكان وفيات الأعيان، ج.3، ص.ص.282-283.
14-
الداووري، طبقات المفسرين، ج.1، ص.427.
15-
ابن حجر العسقلاني، لسان الميزان، ج.4، ص.260.
16-
كتاب الحاوي هو موسوعة ضخمة في فقه الإمام
الشافعي.
17-
هو الكتاب الذي اشتهر به الماوردي بين الؤرخين.
18-
كتاب
الإقناع في الفقه الشافعي هو مختصر لكتاب الحاوي الكبير، وقد قدَّره مؤلفه بأربعين
ورقة، قال:'' بسطت الفقه في
أربعة آلاف ورقة، واختصرته في أربعين''، يريد
بالمبسوط كتاب الحاوي، وبالمختصر كتاب الإقناع. ينظر: الماوردي، أدب القاضي، ص.37.
19-
كتاب مفقود.
20-
كتاب بحث في أمارات النبوة.
21-
ينظر: الماوردي، أدب القاضي، ج.1، تحقيق محيي
هلال السرحان، ص.ص.43-62.
22-
الداودي، طبقات المفسرين، ج.1، ص428.
23-
الصفدي،
الوافي بالوفيات، تحقيق أحمد الأرنؤوط وتركي مصطفى، دار إحياء التراث العربي،
بيروت- لبنان، ط.1، 1420ه-2000م، ج.12ـ، القسم .2، ص. 154.

تعليقات
إرسال تعليق
أترك(ي) تعليقاتك لتحفيزنا وتشجيعنا لمواصلة العطاء