منهج ابن عرفة في تفسيره
Ø
حول تفسير ابن عرفة:
لم
يتول الشيخ ابن عرفة بنفسه كتابة هذا التفسير المتضمن خلاصة دروسه القيمة، ولكن
طلبته من الأجيال المتعاقبة هم الذين اضطلعوا بذلك، فقيدوا أمالي شيخهم وفوائده
حتى خرجت تفسيرا ينسب إليه، وإن لم يكن من تحرير قلمه، فلذلك يسند إليه الكلام
بطريق النقل ويرمز إلى اسمه بحرف العين، وأشهر الذين عرفوا بتدوين هذا التفسير هم
ثلاثة من أكابر أصحابه تونسي وجزائري ومغربي. أما التونسي فهو أكبر أصحاب ابن عرفة
وأخصهم به، وهو الشيخ محمد الأبي، وأما الجزائري فهو الشيخ أحمد البسيلي، وأما
المغربي فهو الشيخ أبو القاسم السلاوي. وتوجد في الخزائن المغربية والشرقية نسخ من
تفسير ابن عرفة يختلف المدرجون لها في الفهارس في نسبتها إلى مؤلفيها من الثلاثة
الأبي والبسيلي والسلاوي. وقد أفاد الشيخ أحمد بابا التنبكتي في ذيل الديباج أن
أوفى تلك التقييدات إنما هو تقييد البسيلي، وأنه قد خرج من تونس إلى السودان في
قصة، ومن السودان انتشرت نسخه، كما أفاد أن ما كتبه البسيلي ذو صورتين وافية
ومختصرة وأن ما كتبه السلاوي كذلك ".1
Ø منهج ابن عرفة في تفسيره:
سلك ابن عرفة مسلك الجمع والتحليل والإملاء، فتتلى
الآية أو الآيات بين يديه، ثم يأخذ معناها بتحليل التركيب، وإيراد كلام أئمة اللغة
أو النحو على معاني المفردات ومفاد التراكيب منشدا على ذلك الشواهد وموردا الأمثال
والأحاديث. ويهتم بالتخريج والتأويل حتى تتضح دلالة الآية مستقيمة على المعنى الذي
يتعلق به، ويرد ما عسى أن يكون قد وقع من تخريج بعيد أو تأويل غير مقبول بتطبيق
القواعد اللغوية والنكت البلاغية أو بإثارة ما يتعلق بالمفاد من مباحث أصولية ترجع
إلى أصول الدين أو أصول الفقه، جاعلا عمدته في هذه المباحث تفسير ابن عطية غير
معرض عن تفسير الكشاف، فيعتبر كلام ابن عطية حاصلا بين أيدي مستمعيه ليسايره أو
يرده.
ويورد
كلام الزمخشري كلما تعلق قصده بإيراده لنقل أو استدلال أو دحض، ويكثر إيراد الآراء
والمذاهب عن العلماء في كل مسألة بحسبها من أئمة المذاهب أو المتكلمين أو رجال
الأصول لاسيما أصحابه الأدنون في طريقته النظرية مثل: عز الدين بن عبد السلام،
والإمام الرازي، والقاضي عياض، والقاضي ابن العربي، والإمام المازري.
وكان
يفتح المجال في إلقائه للبحث والسؤال. وكثيراً ما يعتبر سؤال واحد من طلبته مثارا
لبيان عنصر من عناصر الموضوع ما كان ملتفتا إلى إثارته قبل ذلك السؤال، وهو شديد
الاهتمام بأن ينتزع من الآيات ما هو من سياقها أو ليس منه بما يرجع إلى الأحكام
التكليفية من مسائل الأصول ومسائل الفقه وإيراد ما يتعلق بذلك من الأنظار ومناقشته
"2.
ومن
منهجه أيضا في التفسير :
1.
اهتمامه
بمشكل التفسير وتوجيه المتشابه .
2.
تصيد
دقائق التفسير ولطائفه المنضبطة بضوابط اللغة وقواعد الشرع، مما تحتمله آيات الكتاب.
3.
تعقب
أقوال الأئمة في التفسير، من قبيل: ابن
عطية والزمخشري والفخر الرازي وأبي حيان، عاضدا أو منتقدا أو مستدركا، غير هياب
ولا متردد.
4.
استفادته القصوى من جميع حقول المعرفة
الإسلامية في تفسير كتاب الله.
Ø
أمثلة:
· تحليل التركيب وإيراد المسائل النحوية:
تفسير الاستعاذة:
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (أ) قال ابن
عرفة: الاستعاذة استجارة والاستجارة إبعاد والإبعاد نفي (والنفي) متعلق بالأخص
ونفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم فلا يلزم (من) الاستعاذة من هذا الشيطان المخصوص
الاستعاذة من مطلق الشيطان. وأجاب بأن قال: النعت على قسمين: نعت تخصيص ونعت لمجرد
الذم، فيقال إن هذا النعت مجرد الذم، (وكل) شيطان مرجوم3.
·
إيراده
كلام أئمة المذهب:
بسم الله الرحمن الرحيم:
قال ابن رشد في البيان (في رسم نذر سنة) :
لم يختلف قول مالك: إنّها لا تقرأ في الفريضة لا في أوّل الحمد، ولا في (أول)
السورة التي بعدها لأنها ليست آية منها. (وليست) من القرآن إلا في سورة النمل:
وإنما ثبت في المصحف الاستفتاح بها.
قال: ويتحصل في قراءتها في أول الحمد في
الفريضة أربعة (وجوه) :قراءتها
للشافعي - وكراهتها لمالك - واستحبابها لمحمد ابن مسلمة - والرابع قراءتها سرّا
استحبابا -. وأما النافلة، فلمالك فيها في الحمد قولان، وله فيما عدا الحمد ثلاثة، فله في هذه
الرواية القراءة، وله في رواية أشهب عنه عدمها إلا أن يقرأ القرآن في صلاته عرضا،
وفي المدونة أنّه يخيّر - انتهى.
قال القاضي عماد الدين:
ذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنها ليست آية من الفاتحة ولا من أول كل سورة وذهب
الشافعي وجماعة إلى أنها آية من الفاتحة وعنه في كونها آية من (أول) كل سورة
قولان: ((فمن أصحابه من حمل القولين على أنها من القرآن في أول كل سورة، ومنهم من
حملها على أنها هل هي آية برأسها في أول كل سورة أو هي مع كل آية من أول كل سورة
آية؟ ونقل السهيلي)) في الروض الأنف (عن) داود وأبي حنيفة أنها آية مقترنة مع
السورة.4
· إيراده كلام بعض المفسرين المعتمدين لديه:
قوله تعالى: {مالك يَوْمِ الدين{
تنبيها على (حال) الآخرة وفرّقوا بين الملك والمالك بأن المالك إنّما يتصرف في مال غيره بالمصلحة، والمالك يتصرف في ماله بالمصلحة وغيرها، قال ابن عطية: وحكى أبو علي في حجة: من قرأ: {مالك يَوْمِ الدين} أن أول من قرأ {مالك يَوْمِ الدين} مروان بن الحكم وأنه يقال: مالِكُ الدّنانير والطير والبهائم/ ولا يقال: ملكها.وقال ابن عرفة: عادتهم يردون الأول بأنّها شهادة على (نفي) فلا تقبل وكأنه قال: لم يقرأ بها أحد قبل (مروان)، وكذلك قالوا في قول ابن خالويه في كتاب (تفسير) ليس في كلام العرب كذا ، قلت: وأجابوا بأن الشهادة على النفي من العالم (مقبولة). قال الزمخشري: وصحّ الوصف بملك يوم الدين لأنه بمعنى (الفكرة) (فتعرف) بالإضافة، قال (القرطبي) : وليس المراد الملك الحاصل بالفعل، بل الملك التقديري لأن يوم القيامة (لم) يوجد، قال ابن عرفة: المراد الملك على ما قال الزمخشري: (القدرة) باعتبار الصلاحية لا باعتبار التنجيز، قال الزمخشري: أو لأن المراد به زمان (مستمر) ، مثل: زيد مالك العبيد فإضافته محضة.
قال (ويجوز) أن يكون المعنى (ملك الأمور يوم
الدين) مثل: {ونادى أَصْحَابُ الجنة} {ونادى أَصْحَابُ الأعراف} - فيكون هذا
للماضي وعلى الأول مجرد قيام الصفة بالموصوف من غير تعرض لزمان مخصوص5.
1ـ أحمد الفاضل بن عاشور، التفسير ورجاله، ص104/105.
المصدر نفسه ، ص102ـ
3ـ ابن عرفة
الورغمي التونسي المالكي ،تفسير ابن عرفة ت.د حسن المناعي ص:64
4ـ ابن عرفة : ،تفسير ابن عرفة ت.د حسن المناعي
ص:69/70
5ـ ابن عرفة : تفسير ابن عرفة ت.د
حسن المناعي ص:98/99/100
.

تعليقات
إرسال تعليق
أترك(ي) تعليقاتك لتحفيزنا وتشجيعنا لمواصلة العطاء