منهج الإمام الماوردي في تفسيره " النكت والعيون" .
يتضح من خلال قراءة مقـدمة تفسيـر الماوردي أنه بيّن للقارئ المنهجَ الذي
سلكه في تفسيره، وقـد ورد فيها ما نصُّه: '' ولما كان الظاهر الجلي مفهوما
بالتلاوة، وكان الغامض الخفي لا يُعلم إلا من وجهين: نقل واجتهاد، جعلت كتابي هذا
مقصورا على تأويل ما خفي علمه، وتفسير ما غمُض تصوره، جعلته جامعا بين أقاويل
السلف والخلف، وموضحا عن المؤتـلف والمختـلف، وذاكرا ما سنح به الخاطر من معنى
محتمل، عبَّرتُ عنه بأنه محتمل ليتميز ما قيل مما قـلته، ويُعلم ما استُخرِج مما
استخرجته، وعدلت عما ظهر معناه من فحواه اكتفاء بفهم قارئه وتصور تاليه، ليكون
أقرب مأخذا وأسهل مطلبا، وقدمت لتفسيره فصولا تكون لعلمه أصولا، يتضح منها ما
اشتبه تأويله، وخفي دليله ''1.
لقد اعتبر الماوردي أن من النص القرآنيِّ ما يُفهم معناه من خلال قراءته؛
أي أن استجلاءَ المعنى ليس بعسير، ولا يحتاج إلى كبير جهد في استنباطه، ومنه ما
قـد يخفى معناه، فلا يمكن الوقوف على مقصوده بمجرد التلاوة، بل لابد فيه من
الاجتهاد وبذل الوُسع من أجل الوقوف على كنهه. فالخفي الغامض هو الذي اعتنى به
الماوردي، وجعل تفسيرَه يدور في فَـلَكِه، ولم يُعِـر الجليَّ الظاهرَ اهتماما
لفهمِ القاريءِ له، وقـد جمع في تفسيره للآية الواحدة بين أقوال السابقين وأقوال
تابعيهم فيها، مع نسبة كل قــول لصاحبه، وترجيح ما بدا له منها صوابـا في كثير من
المواضع، وفي بعض الأحيان يترك الأقوال على حالها دون توجيه أو ترجيح، وفي بعضها
الأخرى يبدي رأيه الاجتهادي ليبين الفرق بين قوله وأقوال من سبقوه.
علاوة على ذلك، فالماوردي، كما قلنا آنفا، كان له باع في مجموعة من العلوم
كعلم الأدب والنحو واللغة وغيرها، لذلك فإنَّا نجده في كثير من المواقف يعزو
الألفاظ إلى أصل اشتقاقها، كما يسوق للفظ الواحد مجموعة من المعاني اللغوية
ويحتجُّ لكل معنًى أتى به بالشعـر، ومثال ذلك قوله في تفسير قولِه تعالى: { ... فَادَّارَأْتُمْ
فِيهَا }2: بثلاثة أوجه:
أحدها: أن الدرءَ الاعوجاجُ، ومنه قول الشاعر:
أَمْسَكْتُ
عَنْهُمْ دَرْءَ الْأَعَادِي...... وَدَاوَوْاْ بِالْجُنُونِ مِنَ الْجُنُون
والثاني:
وهو المشهور، أن الدرءَ المدافعةُ، ومعناه أي تدافعتم في القتـل، ومنه قول رؤبة بن
العجاج:
أدركتها
قدام كل مدره….. بالدفع عني درء كل منجه
والثالث: معناه اختلفتم وتنازعتم، قاله السد3. إضافة إلى ذلك، فالماوردي
يستعمل صيغة الاستفهام ( فإن قيل كذا؟ ) بشكل لافت، تحسُّبا لما قد يُوجّه إليه من
أسئلة تدحض رأيَه في تفسيره لبعض الآيات، ومحاولةً منه إقناعَ القاريءِ لتفسيره
بشتى الطرق، ومثال ذلك قوله في تفسير قوله تعالى: { لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ
الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي الْبِلَادِ }4 فإن قيل: فإن النبي صلى الله عليه وسلم لا
يجوز عليه الاغترار فكيف خوطب بهذا؟ فعنه جوابان:
أحدهما: أن
الله عز وجل إنما قال له ذلك تأديبا وتحذيرا.
والثاني: أنه خطاب لكل من سمعه. فكأنه قال: لا يغرنك أيها السامع تقلب
الذين كفروا في البلاد.5
وهذا الصنيع نألفه في التفاسير التي جاءت بعده، سيما ما كان منها بالرأي،
سواء الجائزَ كمفاتيح الغيب وأنوار التنزيل، أو المذمومَ كالكشاف وتنزيه القرآن عن
المطاعن للقاضي عبد الجبار.
بالإضافة
إلى ما سبق، فالماوردي لم يعتمد في تفسيراته اللغوية على ضرب الأمثال والاستشهاد
عليها بالشعر فحسب، بل إنه استعان في ذلك بالأحاديث النبوية في كثير من المواضع،
إلا أنه لم يُرَاعِ في إيراده الأحاديثَ الصحيحَة منها من غيرها.
وانطلاقا
مما سبق، يمكن القول إن الإمام الماوردي كان واسعَ الاطلاع، مُلِمّاً بمختلف
العلوم كالقراءات، والناسخ والمنسوخ، وعلم اللغة، والنحو، والتصريف، وعلم البيان،
وأصول الفقه، وأسباب النزول، وأشعار العـرب، وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم،
مما يدفعنا للقول إن هذا الزاد المعرفي الذي حازه الماوردي هو ما يحتاجه المفسر
ليتجرأ على القول في كتاب الله، وحتى نكون صادقين فيما نقول عن الإمام، ينبغي أن
نُدَلِّلَ على توظيفه لهذه الثروة المعرفية في تفسيره، ومن تفسيره، واحدا واحدا.
لقد نبه
الماوردي في مقدمة تفسيره على '' أن التفسير بالمأثور هو الذي يجب اتباعه والأخذ
به، لأنه طريق المعرفة الصحيحة، وهو آمن سبيل للحفظ من الزلل والزيغ في كتاب الله
''6، إذن فمن باب الاحتراز عن الخطأ جعل تفسيره أثريا، ففسره تارة بالقرآن، وأخرى
بالأحاديث الشريفة، وثالثة بالقراءاتِ، ورابعة بأقوال الصحابةِ وتابعيهم، ولكنه من
حين لآخر يخرج عن التفسير بالمأثور إلى التفسير بالتأويل؛ إذ نجده بين الفينة
والأخرى يخرج من عبارة ( فيه كذا من الأقاويل ) إلى عبارة ( وفي ذلك تأويلان أو
أكثـر، أو توظيفه لعبارة: يحتمل ).
Ø
تفسيره بالمأثور
1- تفسير القرآن بالقرآن
فسر
الماوردي القرآن بالقرآن في غير موضع من تفسيره، إلا أن تفسيره بالقرآن يعد قليلا
مقارنة بالتفاسير المأثورة كجامع البيان وغيره، ومن أمثلة ذلك قوله في الآية (
ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ )7 أي أعدل، يقال: أقسط إذا عدل فهو مقسط، قال
تعالى ( وَأَقْسِطُواْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِيـنَ )8،
وقَسَطَ إذا جار، قال تعالى ( وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ
لِجَهَنَّمَ حَطَباً 9.
2- تفسير القرآن بالأحاديث النبوية
يستشهد الماوردي في غير موضع من تفسيره على بعض الآيات بأحاديث النبي صلى
الله عليه وسلم، من ذلك أنه قال في تفسير الآية: ( وَالْيَوْمِ الْمَوْعُوِد )10 روى
أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يوم القيامة، وسمي بذلك لأنهم وعدوا
فيه بالجزاء بعد البعث11 وكذلك نجده في تفسير قوله تعالى: ( فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ
كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ )12 ، حيث يقول: '' روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
يعرض الناس ثلاث عرضات، فأما عرضتان فجدال ومعاذير، وفي الثالثة تطير الكتب من
الأيدي، فبين آخذٍ كتابه بيمينه، وبين آخذ كتابه بشماله''13. وقد علق الترمذي على
هذا الحديث بقوله: لا يصح هذا الحديث من قبل أن الحسن لم يسمع من أبي موسى.
يتضح إذن أن الماوردي يخلط في استشهاده
بالأحاديث بين الصحيحة والضعيفة؛ إذ إنه لا يميز بينها، فنجده يستحضر الحديث الذي
يراه مناسبا لتفسيره أو شرحه لفظا أو معنًى ما، من دون أن يبيِّن أهو صحيح أم ضعيف،
ومن دون أن يهتم بسنده كما يفعل الطبري في تفسيره. علاوة على ذلك فإنه يستشهد
بأحاديثَ كثيرةٍ من تفسير الطبري، بل إن أغلب الأحاديث، سواء الصحيحة أم الضعيفة،
التي يستشهد بها لا تخرج عن أن تكون مروية عن الطبري.
3- تفسيره بأقوال الصحابة والتابعين
يستحضر الماوردي أقوال الصحابة وتابعيهم بشكل لافت في تفسيره؛ إذ قلما نجده
يفسر آية دون ذكر رزمة من الأقاويل فيها، والتي قد تصل أحيانا إلى تسعة أقاويلَ،
من ذلك تفسيره لقوله تعالى: ( فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ 14 ، بقوله في ذلك أربعة
أقاويل: أحدها: في أعدل خلق، قاله ابن عباس، الثاني: في أحسن صورة، قاله أبو
العالية، الثالث: في شباب وقوة، قاله عكرمة، الرابع: منتصب القامة: لأن سائر
الحيوان منكبٌّ غير الإنسان، إنه منتصب، وهو مروي ابن عباس15.
ومن ذلك تفسيره لقوله تعالى ( إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ
إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً )16 إذ قال: فيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: محرَّرا أي مخلَصاً للعبادة، وهذا قول الشعبي، والثاني: يعني خادما للبيعة،
وهذا قول مجاهد، والثالث: يعني عتيقا من الدنيا لطاعة الله، وهذا قول محمد بن جعفر
بن الزبير.17
والملاحظ أن الماوردي حينما يسوق أقوال الصحابة أو التابعين فإنه لا يرجح
بين أقوالهم، ويترك كل قول أتى به على ما هو عليه دون زيادة أو نقصان. اللهم ما
بدا له غامضا فيزيد في بيانه بالشعر، من ذلك قوله في تفسيره لقوله تعالى ( لَا
يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ 18 بأربع تأويلات: أحدها: إلا أماني:
يعني: إلا كذبا، قاله ابن عباس ومجاهد، قال الشاعر:
ولكنما ذاك
الذي كان منكما......أمانيَّ ما لاقت سماء ولا أرضا
والثاني:
إلا أماني، يعني، أنهم يتمنون على الله ما ليس
لهم، قاله قتادة. والثالث: إلا أمانيَّ، يعني، إلا تلاوة من غير فهم، قاله
الفراء والكسائي ومنه قوله تعالى ( إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ
فِي أُمْنِيَّتِهِ ) يعني ألقى الشيطان في أمنيته، وقال كعب بن مالك:
تمنَّى كتاب الله أول ليلهِ......وآخرَه
لاقي حمام المقادر
والرابع: أن الأمانيَّ: التقدير، حكاه ابن
بحر وأنشد قول الشاعر:
ولا تقولَنَّ لشيءٍ سوف أفعله…حتى
تَبَيَّن ما يمني لك الماني19
Ø
اعتماده التأويل
إلى جانب تفسير الماوردي بالمأثور فقد فسر أيضا بالرأي أو بالتأويل: إذ نجده في تفسير بعض الآيات يقول بعد ذكـر الآية: وفي ذلك كذا من الأقاويل ثم يعقب بقوله: '' ويحتمل وجها آخـر''، كما فعل في قوله تعالى ( وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ )20 إذ يقول: وفي ( الْمُقَنْطَرَةِ ) خمسة أقاويل: أحدها: أنها المضاعفة، وهو قول قتادة، والثاني: أنها الكاملة المجتمعة، والثالث: هي تسعة قناطير، قاله الفراء، والرابع: هي المضروبة دراهم أو دنانير، وهو قول السدي، والخامس: أنها المجعولة كذلك، كقولهم دراهم مدرهمة. ويحتمل وجها سادسا: أن القناطير المذكورة مأخوذة من قنطر الوادي، إما لأنها بتركتها مُعَدَّة كالقناطر المعبورة، وإما لأنها مُعَدَّة لوقت الحاجة، والقناطير مأخوذة من عقد الشيء وإحكامه كالقنطرة21.
كما نجده تارة أخرى يصرح بتأويله في تفسيره لبعض الآيات التي تحتمل
التأويل، من ذلك ما فعله في تفسير قوله تعالى ( وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ )22
بقوله: وفي ذلك خمسة تأويلات:
أحدها: أنها الراعية، قاله سعيد بن جبير، والربيع، ومنه قوله تعالى (
وَفِيهِ تُسِيمُونَ ) أي ترعون. والثاني: أن المسومة الحسنة، قاله مجاهد، وعكرمة،
والسدي، والثالث: أنها المُعَلَّمة، قاله ابن عباس، وقتادة، والرابع: أنها
المُعَدَّة للجهاد، قاله ابن زيد، والخامس: أنها من السيما مقصور وممدود، قاله
الحسن، قال الشاعر: غُلامٌ
رَمَاهُ اللهُ بِالْحُسْنِ يَافِعاً......له سيمياء لا تَشُقُّ على البصر23
وهكذا، فإن
تفسير الماوردي بالمأثور ينماز عن تفسيره بالرأي؛ ذلك أنه في تفسيره بالمأثور لآية
ما يقول: وفي ذلك ( الآية ) قولان، أو ثلاثة أقاويل، أو أكثر، ويسرد الأقاويل من
دون أن يرجح بينها، ولكن عند تفسيره بالرأي فإنه يجتهد رأيه فيها بقوله: وفي ذلك (
الآية ) كذا من التأويلات، أو أنه يَسْرُدُ الأقاويل التي قيلت فيها منسوبة إلى
ذويها ثم يُتْبِعُها رأيه بقوله: ويحتمل وجها آخـر.
4- تفسيره بالقراءات القرآنية
لقد استعان الإمام الماوردي في تفسيره بعلم القراءات القرآنية، لأن بتعدد
القراءات يتضح مراد الله في الآية المخصوصة بالتفسير من جهة، ولأنه بالقراءات يمكن
البرهنة على اختلاف مفردات اللغة، على الرغم من أصل اشتقاقها، وهو لا يكتفي
بالقراءات الصحيحة فحسب، بل إنه يستحضر أحيانا القراءات الشاذة مع تبيين ذلك،
وينسب في الغالب القراءات الصحيحة إلى أصحابها، ولكنه لا ينسب القراءة الشاذة بل يكتفي
فقط بتبيينها، مع بيان ما أفادته الآية من معنًى في كل قراءة، ومثال القراءة
الصحيحة قوله: قرأ حمزة ( أَسْرَى ) في قوله تعالى: ( وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى
تُفَادُوهُمْ )24 ، وفي الفرق بين أَسْرَى وأُسَارَى قولان:
أحدهما: أن أَسْرَى جمع أسيـر، وأُسَارَى جمع أَسْرَى.
والثاني: أن الأَسْرَى الذين في اليد وإن لم يكونوا في وَثَاق، وهذا قول
أبي عمرو بن العلاء، والأُسارى: الذين في وَثاق. ومن ذلك أيضا قوله تعالى (
وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ )25 قال:
قرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم بضم التاء، فيكون ذلك راجعا إلى اعتذارها بأن الله
أعلم بما وضعت، وقرأ الباقون بجزم التاء، فيكون ذلك جوابا من الله تعالى لها بأنه
أعلم بما وضعت منها26.
وأما ما ذكره بالنسبة للقراءة الشاذة فمثاله قوله تعالى ( وَإِذَا وَقَعَ
الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ
أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ )27 ؛ فبيَّن القراءة الشاذة
من الصحيحة بقوله: وفي {تُكَلِّمُهُمْ} قراءتان: الشاذة منهما: ( تَسِمهُم ) بفتح
التاء, وفي تأويلها وجهان: أحدهما: تسمهم في وجوههم بالبياض في وجه المؤمن,
وبالسواد في وجه الكافر حتى يتنادى الناس في أسواقهم يا مؤمن يا كافر, وقد روى أبو
أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( تَخْرُجُ الدَّابَّهُ فَتَسِم الناسَ
عَلَى خَرَاطِيمِهِم ). الثاني: معناه تجرحهم وهذا مختص بالكافر والمنافق, وجرحه
إظهار كفره ونفاقه ومنه جرح الشهود بالتفسيق, ويشبه أن يكون قول ابن عباس. والقراءة
الثانية: وعليها الجمهور ( تُكَلِّمُهُمْ ) بضم التاء وكسر اللام من الكلام, وحكى
قتادة أنها في بعض القراءة: ( تُنَبِّئُهُمْ ) وحكى يحيى بن سلام أنها في بعض
القراءة:
( تُحَدِّثُهُمْ ). وفي كلامها على هذا التأويل قولان: أحدهما: أن كلامها ظهور
الآيات منها من غير نطق ولا لفظ. والقول الثاني: أنه كلام منطوق به28.
إلا أن تفسيره بالقراءات يعد قليلا بالمقارنة مع تفسيره بالشعر، ولعل سبب
ذلك أن الماوردي كان أديبا لا قارئا، كما رأينا من خلال تأليفه لأدب القاضي وغيره
من كتب الأدب.
5- الناسخ والمنسوخ
اعتنى الماوردي بالناسخ والمنسوخ في الآيات التي تضمنت أحكاما اختـلف فيها
الفقهاء، ببيان أقوال كل من الفريقين، ويكتفي بذكر قول كل فريق دون أن يبدي رأيه
في المسألة، ومثال ذلك ما ذكره في قوله تعالى: ( وَاللَّاتِي يَأْتِينَ
الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ،
فَإِنْ شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ
الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً )29. قال: يعني بالسبيل الحد...واختلفوا في نسخ
الجَلْد من حد الثِّيب على قولين:
أحدهما: أنه منسوخ، وهو قول الجمهور من
التابعين والفقهاء.
والثاني: أنه ثابن الحكم، وبه قال قتادة،
وداود بن علي، وهذه الآية عامة في البكر والثيب، واختُلف في نسخها على حسب
اختلافهم فيها هل هو حد أو موعد حد، فمن قال: هي حد، جعلها منسوخة بآية النور30،
ومن قال: هي مُوعد بالحد، جعلها ثابتة31.
6- اهتمامه بالجانبين اللغوي والشعري
لقد استدل الماوردي على المعاني اللغوية، التي قال بها، بالشعر في مواضع لا
قليلة في تفسيره، وهذا ينم على كثرة سَعَتِهِ وإلمامه بالشعر، ولا عجب في رجل ألف
لنا كتابا جليلا كأدب القاضي، إلا أن الملاحظ على الماوردي أنه في كثير من الأحيان
لا يعزو البيت الذي يستشهد به إلى قائله، ويكتفي بعبارة ( قال الشاعر )، اللهم بعض
الشعراء المشهورين كامريء القيس والخنساء وغيرهما، ودليلنا النقلي على ذلك أنه في
تفسيره لقوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ )32 ، قال: '' وفي أصل المزمل:
قولان: أحدهما...، والثاني: المزمل هو المتلفف، قال امرؤ القيس:
كأن ثبيرا
في عراثين وبله......كبير أناس في بجاد مزمل33
وفي أماكن أخرى لا ينسب البيت إلى قائله، كما فعل في تفسيره لقوله تعالى: (
فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً 34. قال:
الشيب: جمع أشيب، والأشيب والأشمط الذي اختلط سواد شعره ببياضه، وهو الحين الذي
يقلع فيه ذو التصابي عن لهوه، قال الشاعـر:
طَرِبْتَ وَمَا
بِكَ مَا يُطْرِبُ......وَهَلْ يَلْعَبُ الرَّجُلُ الْأَشْيَبُ35
وفي اعتقادنا أن عدم نسبة كثير من
الأبيات لقائليها إنما يرجع إلى تخوف الماوردي من التصريح بأسمائهم لكونهم ممن لا
يُحتجُّ بهم، أو أن هذه الأبياتِ من شعره فيتحاشى أن يُقال إنه يحتجُّ لنفسه
بنفسه، سيما وأن المحقق يعزو الكثير من الأبيات إلى ديوان الماوردي، والله أعلم.
4- استشهاده
بأقوال من سبقوه في التفسير بالمأثور
مما لا شك فيه أن تفسير '' النكت والعيون '' أثريٌّ، لذلك فلا غرابة إن ألفيناه
يستحضر أقوال من سبقوه بتفاسيرهم المأثورة كيحيى ابن سلام والطبري، وإن كان استحضاره
لأقوالهما قليلا، من ذلك قوله في الآية ( فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ )36 فيه
خمسة أوجه: ...الثالث: فلا تستذل، حكاه ابن سلام37، وفي قوله تعالى: ( وَوَجَدَكَ
ضَالّاً فَهَدَى ) ذكر أن فيه تسعة تأويلات: ...والثاني: ووجدك ضالا عن النبوة
فهداك إليها، قاله الطبري38.
وقد سبق أن قلنا إن الماوردي يضيف
إلى أقوال الصحابة والتابعين وجها آخر من عنده، وفي نظرنا، أنه حينما يذكر الطبري
أو ابن سلام، فإنه يومِئُ إلى أنهما قد أضافا في المسألة احتمالا آخر ارتضاهُ
الماوردي، وإلا لَمَا ذكرهما، والدليل على ذلك أنه عند ذكر قول أحدهما فإنه يكُفُّ
نفسه عن إضافة احتمال آخر، والله أعلم.
7- آراء الماوردي الفقهية
ذكرنا من قبلُ أن الماوردي كان فقيها مجتهدا، ولكونه كذلك كان لابد له من
أن يدلو بدلوه في مجال الفقه، باستحضار أقوال أئمة المذاهب ولاسيما أقوال الشافعي
لأنه، كما ذكرنا، شافعيُّ المذهب، وبعد أن يذكر أقوال السلف في المسألة الفقهية،
ومنهم أئمة المذاهب، فإنه تارة يترك الأقوال على ما هي عليه دون زيادة أو نقصان،
وتارة أخرى يجتهد رأيه، فمثال الأول ( ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ
حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ )39 وفي حاضريه أربعة أقاويل: أحدها: أنهم أهل
الحرم, وهو قول ابن عباس, ومجاهد, وقتادة , وطاوس. والثاني: أنهم مَن بيْن مكة
والمواقيت, وهو قول مكحول, وعطاء. والثالث: أنهم أهل الحَرَمِ ومَنْ قرُب منزله
منه, كأهل عرفة, والرجيع, وهو قول الزهري, ومالك. والرابع: أنهم مَن كان على مسافة
لا يقصر في مثلها الصلاة, وهو قول الشافعي40.
ومثال الثاني ما جاء به في تفسير قوله تعالى ( وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَـرٍ
وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ41 ، اعتبر أن في قوله تعالى (مَقْبُوضَةٌ
) وجهان: أحدهما: أن القبض من تمام الرهن،
وهو قبل القبض غير تام، قاله الشافعي، وأبو حنيفة. والثاني: لأنه من لوازم
الرهن، وهو قبل القبض تام، قاله مالك42. فبعد أن سرد أقوال الأئمة اجتهد رأيه
بقوله: '' وليس السفر شرطا في جواز الرهن، لأن النبي صلى الله عليه وسلم رَهَنَ
درعه عند أبي الشحم اليهودي بالمدينة وهي حَضَرٌ، ولا عدَمُ الكاتب والشاهد شرطا
فيه لأنه زيادة وثيقة''43.
1.
الماوردي،
النكت والعيون، راجعه وعلق عليه السيد عبد المقصود بن عبد الرحيم، ج.1، دار الكتب
العلمية بيروت- لبنان، مؤسسة الكتب الثقافية بيروت- لبنان، ( د. ط)، مقدمة المؤلف،
ص. 6.
2.
سورة
البقرة، من الآية 72.
3.
الماوردي،
النكت والعيون، ج.1، ص.142.
4.
سورة آل عمران، الآية 196
5.
الماوردي، النكت والعيون، ج.1، ص. 444.
6.
أنظر
مقدمة تفسير الماوردي، ص.5.
7.
سورة
البقرة، من الآية 357.
8.
سورة
الحجرات، الآية 9.
9.
الماوردي،
النكت والعيون، ج.1، ص.357، والآية الأخيرة هي 14 من سورة الجن.
10.
سورة
البروج، الآية 2.
11.
الماوردي،
النكت والعيون، ج.6، ص. 240.
12.
سورة
الانشقاق، الآية 7.
13.
الماوردي،
النكت والعيون، ج.6، ص.235.
14.
سورة
التين، من الآية 4.
15.
الماوردي، النكت والعيون، ج.6، ص. 302
16.
سورة آل عمران، من الآية 36.
17. الماوردي، النكت والعيون،
ج.1، ص. 387.
18.
سورة البقرة، من الآية 78.
19.
الماوردي، النكت والعيون، ج.1، ص.150.
20.
سورة
آل عمران، من الآية 14.
21.
الماوردي، النكت والعيون، ج.1، ص.ص. 376- 377.
22. سورة آل عمران، من الآية
14
23.
الماوردي، النكت والعيون، ج.1، ص.377.
24.
سورة
البقرة، من الآية 85.
25.
سورة
آل عمران، من الآية 36.
26. الماوردي، النكت والعيون، ج.1، ص 387.
27.
سورة
النمل، الآية 82.
28.
الماوردي، النكت والعيون، ج.4، ص. 227.
29.
سورة
النساء، الآية 15.
30.
وهي
قوله تعالى: ( الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ
جَلْدَةٍ )، سورة النور، الآية 2.
31.
الماوردي،
النكت والعيون، ج.1، ص.462.
32.
سورة
المزمل، الآية 1.
33.
الماوردي،
النكت والعيون، ج.6، ص.ص. 124-125.
34.
سورة
المزمل، الآية 17.
35.
الماوردي، النكت والعيون، ج.6، ص. 131.
36.
سورة
الضحى، الآية 9.
37.
الماوردي، النكت والعيون، ج.6، ص.295.
38. م. ن، ص.294
39.
سورة البقرة، من الآية 196.
40.
الماوردي، النكت والعيون، ج.1، ص 258.
41.
سورة البقرة، من الآية 283.
42.
الماوردي، النكت والعيون، ج.1، ص 359.

تعليقات
إرسال تعليق
أترك(ي) تعليقاتك لتحفيزنا وتشجيعنا لمواصلة العطاء