المتشابه اللفظي في القرآن الكريم
المحور الأول: المتشابه اللفظي وأنواعه ومؤلفاته.
علوم القرآن
متعددة ومتشعبة، وثمة علم من بينها يسمى علم المتشابه، وهو علم له أصول، وعلماء
اعتنوا به وألفوا فيه، وله فوائد عديدة ومزايا بين سائر علوم القرآن. نقف في هذه
الدراسة على مجمل القول فيه. والبداية بتعريف المراد منه.
1) تعريف المتشابه
تفيد معاجم
اللغة أن (الشين والباء والهاء) أصل واحد يدل على تشابه الشيء، وتشاكله لوناً،
ووصفاً. يقال: شِبْه، وشَبَه، وشَبيه. والشبه من الجواهر: الذي يشبه الذهب.
والمشَبِّهات من الأمور: المشكلات. والمتشابهات: المتماثلات. واشتبه الأمران، إذا
أشكلا.
والتأمل
في التعريف اللغوي لمادة (شبه) يُظهر أن المادة تدور على أصل التماثل، والمشكلات
من الأمور، والمشتبهات.
و(المتشابه)
من القرآن هو: ما أشكل تفسيره لمشابهته بغيره؛ إما من حيث اللفظ، أو من حيث
المعنى. وهو في الجملة ثلاث أضرب: متشابه من جهة اللفظ فقط، ومتشابه من جهة المعنى
فقط، ومتشابه من جهة اللفظ والمعنى معاً.
وعلى
الجملة، يمكن أن نعرف (المتشابه اللفظي) بأنه: الآيات المتكررة في موضوع واحد
متقارب المعنى، مع اختلاف في لفظها، أو نظمها، أو كليهما.
والمتشابه من
جهة اللفظ ضربان: أحدهما: يرجع إلى الألفاظ المفردة. والثاني: يرجع إلى جملة
الكلام المركب.
وقوله تعالى:
(منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات (آل عمران:7،
قال ابن كثير: "في القرآن آيات محكمات هن أم الكتاب، أي: بينات واضحات
الدلالة، لا التباس فيها على أحد من الناس، ومنه آيات أُخر فيها اشتباه في الدلالة
على كثير من الناس، أو بعضهم، فمن رد ما اشتبه عليه إلى الواضح منه، وحكَّم محكمه
على متشابهه عنده، فقد اهتدى. ومن عكس انعكس". وقال الطبري: "المتشابه
هو: ما اشتبهت الألفاظ به من قصصهم عند التكرير في السور، بقصه باتفاق الألفاظ
واختلاف المعاني، وبقصه باختلاف الألفاظ واتفاق المعاني. والحاصل أن
(المتشابه) في قوله سبحانه: "وأخر متشابهات" له ثلاثة معان:
·
الأول:
تشابه
عام، وهو تشابه القرآن كله في الكمال والإتقان والائتلاف، فلا يناقض بعضه بعضاً في
الأحكام، ولا يكذب بعضه بعضاً في الأخبار.
·
الثاني:
تشابه
بمعنى الخفاء واللبس العام؛ وذلك أن ما استأثر الله بعلمه من حقائق المغيبات خفاؤه
عام.
· الثالث:
تشابه
بمعنى الخفاء واللبس النسبي، وهذا الخفاء هو على بعض الناس دون بعض، أو في وقت دون
وقت.
و(المتشابه)
الذي هو مدار البحث هنا هو المتشابه اللفظي، وهو أحد الأقوال التي قيلت في المراد
بـ (المتشابه) في الآية الآنفة الذكر. ولم يرد عن أهل العلم تعريف منضبط ومحدد
للمتشابه اللفظي؛ فهو بحسب الإسكافي والكرماني: المكرر المختلف
في ألفاظه. وهو عند ابن الزبير الغرناطي ما تكرر لفظه، أو اختلف بتقديم
أو تأخير، وبعض زيادة في التعبير. وجعل ابن الجوزي المتشابه ثلاثة أنواع:
إبدال كلمة بكلمة أو حرف، الزيادة والنقصان في الحروف والكلمات، التقديم والتأخير.
2) أنواع المتشابه اللفظي
1-
المتشابه
بالتقديم والتأخير:
·
تقديم كلمة
وتأخيرها:
v
)وجاء
رجل من أقصى المدينة يسعى (القصص: 20.
v
(وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى
(يس:20.
·
تقديم جملة
وتأخيرها:
v
(ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء
(الأنعام:102.
v
(ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو
(غافر:62.
·
لاختلاف في
ترتيب المتعاطفات:
v
(يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه وصاحبته
وأخيه وفصيلته التي تؤويه (المعارج:11-13.
v
(يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته
وبنيه (عبس:34-36.
·
تقديم الضمير
وتأخيره:
v
(وما أهل به لغير الله (البقرة:173.
v
(وما أهل لغير الله به (المائدة:3.
2- المتشابه بالإبدال:
·
إبدال حرف بآخر.
v
(كل يجري لــــــأجل مسمى
(الرعد:2.
v
(كل يجري إلى أجل مسمى (لقمان:29.
·
إبدال كلمة
بكلمة:
v
(قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا
(البقرة:170.
v
(قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا
(لقمان:21.
·
بدال جملة
بجملة:
v
(وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان
لظلوم كفار (إبراهيم:34.
v
(وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله
لغفور رحيم (النحل:18.
3- المتشابه بالإثبات والحذف:
·
إثبات حرف وحذفه:
v
(ولما جاءت رسلنا لوطا (هود:77.
v
(ولما أن جاءت رسلنا لوطا
(العنكبوت:33.
·
إثبات كلمة
وحذفها.
v
(ويكون الدين لله (البقرة:193.
v
(ويكون الدين كله لله (الأنفال:39.
·
إثبات أكثر من
كلمة وحذفها:
v
(ولله ملك السماوات والأرض والله على كل شيء
قدير (آل عمران:189.
v
(ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما يخلق
ما يشاء والله على كل شيء قدير (المائدة:17.
4- المتشابه بالجمع والإفراد، مثاله قوله سبحانه:
v
(والذين هم على صلواتهم يحافظون
(المؤمنون:9.
v
(وهم على صلاتهم يحافظون
(الأنعام:92.
5- المتشابه بالتذكير والتأنيث:
v
(إن هو إلا ذكرى للعالمين
(الأنعام:90.
v
(إن هو إلا ذكر للعالمين
(يوسف:104.
6- المتشابه بالتعريف والتنكير:
v
(رب اجعل هذا بلدا آمنا (البقرة:126 وقوله سبحانه.
v
(رب اجعل هذا البلد آمنا
(إبراهيم:35.
7- المتشابه بالإظهار والإضمار:
·
وضع المظهر موضع
المضمر:
v
(ولكن أكثرهم لا يعلمون (الأنعام:37.
v
(ولكن أكثر الناس لا يعلمون
(الأعراف:187.
·
الاختلاف في
الضمائر:
v
(بل متعنا هؤلاء (الأنبياء:44.
v
(بل متعت هؤلاء (الزخرف:29.
8- المتشابه باختلاف الصيغة الصرفية:
·
متشابه بالإدغام
والفك:
v
(ومن يشاقق الرسول (النساء:115.
v
(ومن يشاق الله (الحشر:4.
·
متشابه بالتضعيف
وعدمه، مثاله قوله تعالى
v
(وإذ نجيناكم من آل فرعون
(البقرة:49.
v
(وإذ أنجيناكم من آل فرعون
(الأعراف:141.
·
متشابه بالتجريد
والزيادة، مثاله قوله تعالى:
v
(فمن تبع هداي (البقرة:38.
v
(فمن اتبع هداي (طه:123.
·
متشابه بالماضي
والحاضر:
v
(كذلك نسلكه (الحجر:12.
v
(كذلك سلكناه (الشعراء:200.
·
متشابه بالبناء
للفاعل والبناء للمفعول:
v
(وإذ قلنا ادخلوا (البقرة:58.
v
(وإذ قيل لهم اسكنوا (الأعراف:161.
·
تشابه بجمع
السلامة وجمع التكسير:
v
(نغفر لكم خطاياكم (البقرة:58.
v
(نغفر لكم خطيئاتكم (الأعراف:161.
9- المتشابه بالإجمال والتفصيل:
v
(وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة
(البقرة:51.
v
(وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر
(الأعراف:142.
10- المتشابه بالإضافة وعدمها:
v
(وقبل الغروب (ق:39.
v
(وقبل غروبها (طه:130.
3)
اعتناء
العلماء بعلم المتشابه اللفظي:
·
"متشابه القرآن" لعلي بن حمزة
الكسائي (ت187هـ)
·
"حل الآيات المتشابهات" لمحمد بن
الحسن بن فورك (ت406هـ)
·
"هداية المرتاب وغاية الحفاظ والطلاب في
تبين متشابه الكتاب" لعلي بن محمد السخاوي (ت643هـ)
هذه
الكتب الثلاثة تورد الآيات المتشابهة من دون أن تذكر علل تشابهها. ثم هناك مؤلفات
أخرى اعتنت بذكر أسباب تشابه الآيات في ألفاظها وأهمها:
·
"درة
التنزيل وغرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز" للخطيب
الإسكافي (ت420هـ):
وهو أهم هذه الكتب على الإطلاق وأول من
تحدث عن علل تشابه ألفاظ الآيات. يذكر الآيات المتشابهة في القرآن تشابها لفظيا، ثم
يعلل هذه الاختلافات بالنظر إلى مواقعها أو سياق الآية أو حسب أحوال المخاطبين أو
حسب النزول أو غير ذلك من الأسباب وطرق التوجيه التي نصل بها إلى سبب الاختلاف بين
الآيات المتشابهة.
·
البرهان في
توجيه متشابه القرآن لما فيه من الحجة والبيان لمحمد بن حمزة الكرماني (ت505هـ):
اعتمد فيه
الكرماني على كتاب الإسكافي. يقول في مقدمة كتابه: "فإن هذا كتاب أذكر فيه
الآيات المتشابهات التي تكررت في القرآن وألفاظها متفقة، ولكن وقع في بعضها زيادة
أو نقصان، أو تقديم أو تأخير، أو إبدال حرف مكان حرف أو غير ذلك..."1
·
"ملاك التأويل القاطع بذوي الإلحاد
والتعطيل في توجيه المتشابه اللفظي من آي التنزيل" لابن الزبير الغرناطي
(ت708هـ):
وهو
أوسع كتاب في المتشابه اللفظي، فيه مزيد من التفصيل، قال عنه السيوطي بعد أن تحدث
عن درة التنزيل: "وأحسن من هذا ملاك التأويل لأبي جعفر بن الزبير".2
·
"كشف المعاني في المتشابه من المثاني"
لبدر الدين بن جماعة (ت733هـ):
اعتمد فيه على
الكتابين السابقين، ويكشف عن الاختلافات القائمة بين الآيات المتشابهة.
·
فتح الرحمان
بكشف ما يلتبس في القرآن لأبي يحيى زكريا الأنصاري (ت926هـ):
يعرض فيه المؤلف
للآيات المتشابهة تشابها لفظيا، مع ذكر عللها.
والملاحظ أن
الدراسات التي أنجزت حول المتشابه اللفظي تظل غير وافية لصعوبة مسلك هذا المبحث، وغموض
دقائقه، مع حاجته إلى علوم تعين المفسر على استكناه أسراره. لذلك فمعظم ما ألف في
مجال المتشابه اللفظي يظل أشبه بمعاجم يقتصر فيها المفسر على جمع الآيات المتشابهة
من دون ذكر علل التشابه والاختلاف بين الآيات، باستثناء الكتب الخمسة التي ذكرتها
آنفا والتي تشير إلى علل التشابه في الآيات.
4)
منهجية توجيه
المتشابه اللفظي
لقد اعتمد علماء
هذا الفن أصولاً محددة، يتم من خلالها توجيه المتشابه من الألفاظ. ويأتي في مقدمة
هذه الأصول: النظر في (سياق) كل لفظ من الألفاظ المتشابهة،
يقول الزركشي في هذا الصدد: "وطريق التوصل إلى فهمه، النظر إلى
مفردات الألفاظ من لغة العرب ومدلولاتها، واستعمالها بحسب السياق". وقريب من
هذا قول السعدي: "فينظر في سياق
الكلام، وما سيق لأجله، ويقابل بينه وبين نظيره في موضع آخر...فالنظر لسياق الآيات
مع العلم بأحوال الرسول وسيرته مع أصحابه وأعدائه وقت نزوله، من أعظم ما يعين على
معرفته وفهم المراد منه". والناظر في مؤلفات هذا العلم، يقف على هذه المنهجية
بشكل واضح، إضافة إلى منهجيات أخر، تتمثل في النظر في أسباب النزول، والترتيب بين
السور والآيات، والتشاكل اللفظي.
والذي ينبغي
التنبيه إليه في هذا الصدد، أن توجيه المتشابه اللفظي في كتب هذا الفن، لا يُسلَّم
به بإطلاق، بل بعض توجيهاتهم لا تخلو من نظر؛ مرده إلى أن تلك التوجيهات قد بُنيت
على أسس لا يُلتفَتُ إليها عند التحقيق والتدقيق، فهم يوجهون أحياناً المتشابه
اللفظي بأدنى مناسبة، وبالتالي فعلى الناظر فيها أن يُعمل النظر والفكر فيها، ولا
يأخذها بإطلاق.
1 البرهان في
علوم القران ص110
2الإتقان في
علوم القرآن،ج3،ص339

تعليقات
إرسال تعليق
أترك(ي) تعليقاتك لتحفيزنا وتشجيعنا لمواصلة العطاء