التفسير بالرأي بين المحمود و المذموم
التفسير بالرأي المحمود:
هو ذلك التفسير الذي أعمل فيه المفسر رأيه ويكون موافقا لغرض الشارع، بعيدا عن
الضلالة والجهالة ، ونجده متماشيا في الوقت ذاته مع قواعد اللغة العربية....
أو هو ذاك التفسير الذي أعمل
فيه المفسر عقله، للوصول إلى مراد الله تعالى بقدر الطاقة البشرية، مستعينا في ذلك
بكل الأدوات والشروط والعلوم الواجب توافرها في مجال التفسير.
التفسير بالرأي المذموم:
هو التأويل على سبيل الاجتهاد فيما لم يرد
في نص صريح وحاسم أو هو
التفسير الذي خالف فيه المفسر تلك الشروط، ولم يكن ملما بتلك الأدوات، أو لم يراع
تلك الضوابط التي ينبغي توفرها في المفسر.
دلائل المانعين للتفسير بالرأي:
الأدلة القرآنية:
استدل المانعون – للتفسير بالرأي - بقوله تعالى: ( قُل انما حرّم ربيَ
الفواحشَ ما ظَهَر منها وما بَطَن و الاثمَ والبغيَ بغير الحقّ وأن تشركوا بالله
ما لمْ ينزّل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ) سورة الأعراف 33.
قالوا: إن القول على الله بغير علم محرم؛ لأنه في الآية معطوف على محرم، والتفسير بالرأي قول
على الله بغير علم، فيكون محرما.
ويرد على هذا الاستدلال: بأن التفسير بالرأي المحمود ليس قولا على الله
بغير علم، وإنما هو إدراك الطرف الراجح، باستخدام العلوم التي يحتاج إليها المفسر
بعد انعدام العلم اليقيني...
أيضا استدلوا بقوله تعالى: (ولا تقْفُ ما ليس لكَ به علمٌ) الإسراء:36. حيث
قالوا: التفسير بالرأي قول بغير علم، فيكون منهيا عنه.
ثم استدلوا بقوله تعالى: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزّل
إليهم) النحل 44. حيث قالوا: إنه ليس لغير النبي صلى الله عليه وسلم أن يتكلم في شيء
من معاني القرآن، لأن النبي هو المبين له.
ويرد عليهم في ذلك: بأن الآية ليس فيها قصر البيان عليه صلى الله عليه
وسلم، لأنه كان مأمورا ببيان ما خفي عليهم، أو اختلفوا في فهمه، كما نصت الآية 64
من السورة ذاتها، حيث يقول تعالى:وما أنزلنا عليك الكتابَ إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه)، وأما ما
كان واضحا في عصره عليه السلام فلم يكن مأمورا ببيانه...
من دلائل المانعين من السنة:
استدلوا بحديثين منسوبين إلى النبي صلى الله عليه وسلم:
الحديث الأول: رواه الترمذي عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال: "اتقوا الحديث عني إلا ما علمتم، فمن كذب علي متعمدا
فليتبوأ مقعده من النار، ومن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار1
الحديث الثاني: أخرجه الترمذي وأبو داود عن جندب رضي الله عنه أنه
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد
أخطأ"2
استدل المانعون بآثار عن الصحابة
والتابعين، منها:
قول أبى بكر رضي الله عنه: " أيُّ أرض تُقِلُّني، وأي سماء تظلني إن
قلت في كتاب الله ، أو ما لا أعلم" . وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "
إنما هو كتاب الله وسنة رسوله صلى عليه وسلم، فمن قال بعد ذلك برأيه فما أدرى أفي
حسناته يجد ذلك، أم في سيئاته".
. من دلائل
المجيزين للتفسير بالرأي
إن القائلين بجواز التفسير بالرأي المتوافر له
شروطه استدلوا لصحة مذهبهم بأدلة من القرآن والسنة، وآثار عن السلف الصالح، وبأدلة
عقلية.
من الأدلة القرآنية:
الآيات التي تدعو إلى التدبر والتذكر، كقوله تعالى:( أفَلاَ
يَتدبَّرونَ القُرآن) النساء 82، و محمد 24. فقد دلت هذه الآية وأمثالها على أن
تفسير ما لم يستأثر الله تعالى بعلمه ليس محظورا على العلماء، وأهل الفكر والنظر.
الآيات التي تدل على أن في القرآن ما يستنبطه أولو العلم باجتهادهم، مثل
قوله تعالى: ( ولوْ ردّوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه
منهم ) النساء 83. فأثبت لأهل العلم الاستنباط.
من السنة النبوية:
دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لابن
عباس بقوله: " اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل"3. فلو كان التأويل
مسموعا كالتنزيل، ومحفوظا مثله، فما معنى تخصيصه بذلك.
ومن آثار السلف: قول أبي بكر رضي
الله عنه في الكلالة: "أقول فيها برأيي"4، وقول مجاهد: " عرضت
المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات، من فاتحته إلى خاتمته، أوقفه عند كل آية منه،
وأسأله عنها" 5
من الأدلة العقلية على الجواز:
اختلاف الصحابة في التفسير، فلو كان
التفسير بالرأي ممنوعا عليهم، ومقصورا على النبي صلى الله عليه وسلم لما تجرؤوا
على التفسير، ولما حدث بينهم هذا الاختلاف.
لو منع التفسير بالرأي لمنع الاجتهاد
في الدين، ولو منع الاجتهاد في الدين لتعطلت كثير من الأحكام، ولو وقع الناس في
حرج عظيم..
علوم يحتاج إليها المفسر:
اشتُرِطَ في المفسر الذي يريد تفسير القرآن برأيه بدون أن يلتزم الوقوف عند
حدود المأثور منه فقط، أن يكون ملما بجملة من العلوم التي يستطيع بواسطتها أن يفسر
القرآن تفسيرا عقليا مقبولا، وجعلوا هذه العلوم بمثابة أدوات تعصم المفسر من
الوقوع في الخطأ، وتحميه من القول على الله بغير علم. وإليك هذه العلوم مفصلة، مع
توضيح ما لكل علم منها من الأثر في الفهم وإصابة وجه الصواب:
·
الأول : علم اللغة: لأن به يمكن شرح مفردات الألفاظ ومدلولاتها
بحسب الوضع.
·
الثاني علم النحو: لأن
المعنى يتغير ويختلف باختلاف الإعراب، فلا بد من اعتباره.
· الثالث : علم الصرف: وبواسطته تعرف الأبنية والصيغ.
·
الرابع الاشتقاق: لأن الاسم إذا كان اشتقاقه من مادتين مختلفتين،
اختلف باختلافهما، كالمسيح مثال، هل هو من السياحة أم من المسح؟
·
الخامس والسادس والسابع: علوم البلاغة بأقسامها الثلاثة "المعاني،
والبيان، والبديع"... وهذه العلوم الثلاثة من أعظم أركان المفسر، لأنه لا بد له من
مراعاة ما يقتضيه الإعجاز، وذلك لا يدرك إلا بهذه العلوم.
·
الثامن: علم القراءات: إذ بمعرفة القراءة يمكن ترجيح بعض الوجوه
المحتملة على بعض.
·
التاسع: علم أصول الدين: وهو علم الكلام، وبه يستطيع المفسر أن
يستدل على ما يجب في حقه تعالى، وما يجوز، وما يستحيل، وأن ينظر في الآيات
المتعلقة بالنبوات، والمعاد، وما إلى ذلك نظرة صائبة.
·
العاشر : علم أصول الفقه: إذ به يعرف كيف يستنبط الأحكام من الآيات
ويستدل عليها، ويعرف الإجمال والتبيين، والعموم، والخصوص، والإطلاق، والتقييد، ودلالة
الأمر والنهى، وما سوى ذلك من كل ما يرجع إلى هذا العلم.
·
الحادي عشر: علم أسباب النزول: إذ أن معرفة سبب النزول يعين على
فهم المراد من الآية.
·
الثاني عشر:علم القصص: لأن معرفة القصة تفصيلا يعين على توضيح ما
أجمل منها في القرآن.
·
الثالث عشر: علم الناسخ والمنسوخ: وبه يعلم المحكوم من غيره. ومن
فقد هذه الناحية، ربما أفتى بحكم منسوخ فيقع في الضلال والإضلال.
·
الرابع عشر: الأحاديث المبينة لتفسير المجمل والمبهم، ليستعين بها
على توضيح ما يشكل عليه.
·
الخامس عشر: علم الموهبة: وهو علم يورثه الله تعالى - لمن عمل بما
علم، وإليه الإشارة بقوله تعالى:( واتقوا الله ويعلمكم الله) سورة البقرة 282. 6
1 انظر: ضعيف الجامع الصغير وزياداته، محمد ناصر
الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، ط.3 ، 1990.)الحديث رقم:114 .
2ــ ضعيف
الجامع ) الحديث رقم: 5736 .
2ــ مسند أحمد 1/ 266.
4ــ
تفسير ابن جرير الطبري: 8/ 53.
5ــ
تفسير ابن جرير: 1/ 90.
6ــ التفسير والمفسرون: الذهبي، 1/ 189- 191.

تعليقات
إرسال تعليق
أترك(ي) تعليقاتك لتحفيزنا وتشجيعنا لمواصلة العطاء