مصادر التفسير بالمأثور
الباحث في وعن مصادر
تفسير القرآن بالمأثور يتوصل إلى أنها ارتكزت في عمومها على ركائز وأمهات أربع،
وهذا ما أشار إليه علماء أجلاء في علم التفسير...
يقول السيوطي - رحمه الله - :
" قال العلماء من أراد تفسير الكتاب العزيز، طلبه أولا من القرآن،
فما أجمل منه في مكان فقد فسر في موضع آخر، وما اختصر في مكان فقد بسط في موضع آخر
منه، وقد ألف ابن الجوزي كتابا فيما أجمل في القرآن في موضع وفسر في موضع آخر منه،
وأشرت إلى أمثلة منه في نوع المجمل، فإن أعياه ذلك طلبه من السنة، فإنها شارحة
للقرآن وموضحة له ، وقد قال الشافعي رضي الله عنه: كل مَا حَكَمَ بِهِ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ مِمَّا فَهِمَهُ مِنَ
الْقُرْآنِ قَالَ تَعَالَى: ( إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ
الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ) في آيات
أخر، وقال صلى الله عليه وسلم : "أَلَّا إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ
وَمِثْلَهُ مَعَهُ"، يَعْنِي السنة، فإن لم يجده في السنة رجع إلى أقوال الصحابة
فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوه من القرائن والأحوال عند نزوله ولما اختصوا به من
الفهم التام والعلم الصحيح والعمل الصالح وقد قال 11 الحاكم في
المستدرك: إن تفسير الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل له حكم المرفوع 1.
وقال الإمام الزركشي في برهانه:
لطالب التفسير مآخذ كثيرة أمهاتها أربعة:
v الأول: النقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
وهذا هو الطراز الأول، لكن يجب الحذر من الضعيف فيه
والموضوع، فإنه كثير وإن سواد الأوراق سواد في القلب قال الميموني: سمعت أحمد بن
حنبل يقول: ثلاثة كتب ليس لها أصول: المغازي والملاحم والتفسير. قال المحققون من
أصحابه: ومراده أن الغالب أنها ليس لها أسانيد صحاح متصلة وإلا فقد صح من ذلك
كثير. فمن ذلك تفسير الظلم بالشرك في قوله تعالى:" الذين آمنوا ولم يلبسوا
إيمانهم بظلم" وتفسير الحساب اليسير بالعرض رواهما البخاري
v الثاني: الأخذ بقول الصحابي:
فإن تفسيره عندهم بمنزلة المرفوع إلى النبي صلى
الله عليه وسلم كما قاله الحاكم في تفسيره. وقال أبو الخطاب من
الحنابلة: يحتمل ألا يرجع إليه إذا قلنا إن قوله ليس بحجة والصواب الأول لأنه من
باب الرواية لا الرأي ، ثم قال وفي الرجوع إلى قول التابعي روايتان عن أحمد،
واختار ابن عقيل المنع، وحكوه عن شعبة لكن عمل المفسرين على خلافه، فقد حكوا في
كتبهم أقوالهم لأن غالبها تلقوها من الصحابة، وربما يحكى عنهم عبارات مختلفة
الألفاظ، فيظن من لا فهم عنده أن ذلك اختلاف محقق فيحكيه أقوالا وليس كذلك بل يكون
كل واحد منهم ذكر معنى من الآية لكونه أظهر عنده أو أليق بحال السائل وقد يكون
بعضهم يخبر عن الشيء بلازمه ونظيره والآخر بمقصوده وثمرته، والكل يؤول إلى معنى
واحد غالبا فإن لم يمكن الجمع فالمتأخر من القولين عن الشخص الواحد مقدم إن استويا
في الصحة عنه وإلا فالصحيح المقدم.
v الثالث: الأخذ بمطلق اللغة:
فإن القرآن نزل بلسان عربي، وهذا قد ذكره جماعة
ونص عليه أحمد في مواضع، لكن نقل الفضل بن زياد عنه أنه سئل عن القرآن، يمثل له
الرجل ببيت من الشعر فقال: ظاهره المنع ولهذا قال: بعضهم في جواز تفسيره القرآن
بمقتضى اللغة روايتان عن أحمد. وقيل: الكراهة تحمل على صرف الآية عن ظاهرها إلى
معان خارجة محتملة يدل عليها القليل من كلام العرب ولا يوجد غالبا إلا في الشعر
ونحوه، ويكون المتبادر خلافها. وروى البيهقي في الشعب عن مالك قال: "لا أوتى
برجل غير عالم بلغة العرب يفسر كتاب الله إلا جعلته نكالا".
v الرابع: التفسير بالمقتضى من معنى الكلام والمقتضب من قوة الشرع:
وهذا هو الذي دعا به النبي صلى الله عليه وسلم
لابن عباس، حيث قال: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل"، والذي عناه علي رضي الله عنه بقوله: "إلا فهما يؤتاه الرجل في
القرآن" ومن هنا اختلف الصحابة في معنى الآية، فأخذ كل برأيه على منتهى نظره،
ولا يجوز تفسير القرآن بمجرد الرأي والاجتهاد من غير أصل، قال تعالى: (ولا تقف ما ليس لك به علم) وقال: (وأن تقولوا على الله ما
لا تعلمون) ،وقال: (لتبين للناس ما نزل إليهم{ فأضاف البيان إليه وقال صلى
الله عليه وسلم: "من تكلم في القرآن
برأيه، فأصاب فقد أخطأ"، أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي
وقال: "من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار"
12 أخرجه أبو داود". 2
1- الإتقان في علوم القرآن:
جلال الدين السيوطي ج 4 صفحة 200 .
2- البرهان
في علوم القرآن: الزركشي، 2/156 .
تعليقات
إرسال تعليق
أترك(ي) تعليقاتك لتحفيزنا وتشجيعنا لمواصلة العطاء